من حكمة الله في خلقه أن جعل لهم محطات يتوقفون عندها لمراجعة النفس، وشحن الطاقة، وتجديد الهمة، واستبصار الطريق، وإعادة السير على المسارات الصحيحة، وتحديد الاتجاه الصحيح، والنظر بإمعان في معنى الوجود والغاية من العيش والدور الحقيقي للإنسان في هذه الحياة، ولكي يستطيع أن يحدد حقيقتها وغايات الوصول إليها.

ولأن الله بسابق علمه يعلم أن همم العباد بين مد وجزر وبين صحوة وغفوة، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن القلوب تمل، لذا جعل لعباده أياما يزيد فضلها، ويشع نورها، ويزداد أجر العمل فيها، ويتضاعف جزاء الطاعات، ويرى نورها في نفوس الناس فينعكس ذلك على واقعهم.

المؤمن فيها هين لين، ألف مألوف اتسعت نفسه لتشمل العالم المحيط به، وتعالى عن خصوماته، وترفع عن الدنيا بصرعاتها وصغائرها والتنافس المحموم على زخرفها وزينتها.

إنه السر المكنون وبركة تلك الأيام العزيزة من هذا الشهر الكريم، إنه «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ».

وفهمي لدلالة قوله سبحانه "الفرقان"؛ أنه يفرق بين ما قبله وما هو عليه، فهو الشهر الذي تهب فيه نفحات الهداية في الآية الكريمة، تلك التي أنزلت بإرادة الله عطية من الخالق لعباده، فلا عجب أن تستشعر أن رائحة الهواء قد تغيرت، وأن حركة الجسم أصبحت أخف، حتى الدم الذي يجري في العروق أصبح أكثر نقاء وصفاء، وأن ملامح الوجوه قد انبسطت، وأصبحت القلوب أكثر إقبالا، وزادت إرادة فعل الخير، وأصبح للطاعة حلاوة تجدها في قلبك، وسمت الروح وانطلقت في ركاب الخير..

ما سر كل هذا؟ إنه شهر رمضان. ولمَ نتعجب من ذلك، فهو الشهر الذي تتزين الجنة بقدومه على ما فيها مما لم تره الأعين ولا سمعته الآذان ولا خطر على قلوب البشر، وتنادي اللهم اجعل لي من عبادك نصيبا.

في تقديري أن تلك الحالة التي يختلف عليها الناس في أخلاقهم ومسلكهم وفي مظهرهم ومخبرهم، مردها إلى أن الإنسان لبى نداء الفطرة، التي فطر الله الناس عليها، وهي الفرار للخالق، فلما لبى النداء حدثت السكينة فانضبط السلوك، وهو ما يفسر حال المخاصم لنداء الفطرة، الشارد عن روضة الحق، فلا تسكن نفسه وإن سكن جسده القصور، ولا تأنس روحه وإن أحاط الناس به، ولا يهنأ له العيش وإن دانت له الدنيا بما فيها.

فالرضى مبعثه الداخل في عمق النفس، وصحة البدن تأتي عندما يصلح حال من يديره، فإذا صلح صلحت وإذا فسد فسدت، ومن يديره هو القلب، تلك المضغة التي قال عنها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".

وإذا كانت الجنة تتزين في هذا الشهر، فلمَ لا نتزين نحن كذلك بأن نسمو فوق الخصومة فنصل من قطعنا؟ فشهر رمضان هو الساحة الإيمانية المهيأة التي ندرب فيها النفس لنطهرها ونزكيها من كل أدرانها، لتصبح طبيعة هينة لينة لنرتقي بها من أمارة بالسوء إلى لوامة عند فعل المعصية، ثم تبلغ درجة أعلى لتصبح مطمئنة، ولمَ لا؟ ألم يدع الصالحون بأن يرزقهم الله تلك النفس المطمئنة التي تؤمن بلقاء الله وتقنع بعطائه وترضى بقضائها؟

ونعطي من حرمنا عطاء من لا يخشى الفقر، ونعفو عمن ظلمنا، ونبادر بإفشاء السلام في محيطنا. لمَ لا نتزين بصلة الأرحام وحب الأوطان؟

إن الصيام في حقيقته ليس حالة واحدة، بل درجات يجاهد العبد لبلوغ أعلاها. فهناك صيام العوام وهو الامتناع عن المأكل والمشرب، وهناك صيام الخواص وهو يشمل إلى جانب الامتناع عن الطعام والشراب حفظ اللسان، فلا ينطق إلا خيرا أو يصمت ويلهج دائماً بذكر الله، وحفظ البطن عن أن يدخل فيه طعام من حرام، وحفظ الجوارح من سمع وبصر عما يغضب الله..

ليس ذلك في هذا الشهر الكريم فحسب، ولكن في كل الشهور فرب رمضان هو رب باقي الشهور. وصيام خواص الخواص، وهو الامتناع عن مجرد التفكير في ما لا يرضي الله ولو كان خاطرة، وهي منزلة يبلغها القليل من عباده المخلصين.

كيف يستقيم صوم العبد ويصل فيه إلى المرتبة التي خصه الله سبحانه وتعالى بها حين قال ((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به))؟ كيف ينال العبد الجزاء الرباني وهو ما زال مصرا على قطع رحمه، أو بينه وبين غيره شحناء، أو لم يستطع أن يعيش تلك الحالة من السلام مع النفس أولا، فينعكس ذلك في السلام مع الغير، ففاقد الشيء لا يعطيه؟!

وإذا كانت الجنة تتزين على ما فيها بمقدم هذا الشهر الكريم، ففي يقيني أن من أكثر بقاع الدنيا سعادة بهذا الشهر هي المساجد بهذه الوفود التي تترى، وهذه الحشود رجالا ونساء شيبة وشبابا وأطفالا، يسعى كل منهم لأن يجد لنفسه موضع قدم في داخلها أو في ساحاتها، يفسح كل منهم للآخر ليفسح لهم ربهم يوم القيامة، ويلينون الجانب بعضهم لبعض، لا تعرف منهم الغني من الفقير، فالكل أمام الله سواء، والكرامة عنده سبحانه وتعالى بالتقوى.

في مشهد يسر النفس ويؤكد ما قاله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة"، وأن هذه الأمة بحق خير أمة أخرجت للناس، ما دامت على هذا الحال من الحرص على بعضهم البعض.

وهنا أؤكد أن من القيم الحقيقية لهذا الشهر والمران الحقيقي، تدريب النفس على البذل للمجتمع الذي نحيا فيه والأرض التي نعيش عليها، وأن نزداد عطاء وإخلاصا للوطن وأن نرتفع بحبه والسمو به فوق حبنا لأنفسنا، وأن نستشعر القيمة الحقيقية في أن يظل هذا الوطن آمنا ونظل نحن نستظل بظله ونزداد التصاقا بكل حبة رمل فيه، وأن تكون رماله أغلى في نفوسنا من كنوز الدنيا كلها..

كيف لا والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول "من عاش آمنا في سربه معافى في بدنه يملك قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بما فيها".. أدام الله على بلادنا نعمة الأمن والأمان.