ابتسم الحظ لأحد بقايا زعماء الهنود الحمر، عندما تم اكتشاف كميات كبيرة من النفط في أراضيه خلال ستينات القرن الماضي، فتم تعويضه بمبالغ مجزية للغاية، ساعدته لأن يشتري حلم حياته ألا وهو سيارة كاديلاك سوداء.. بعد عام من التجوال بها، لم يتعرض صاحبنا لأية مخالفة مرورية ولم تستهلك دولاراً للوقود ولم يقدها للخلف إطلاقاً، فقد كان طيلة الوقت يستخدم عدداً من الخيول لسحبها للأمام!
قد نضحك كثيراً على هذا الشخص الذي جهل قدرة سيارته ولم يفطن لما يمكن أن تقوم به، لكن ربما من الأولى للكثير منّا أن ينظر لنفسه ليجد أمراً أكثر ألماً، فكم هي المواهب الفطرية والقدرات الشخصية التي يئدُها أصحابها طوعاً، بسلبيتهم وعدم حماسهم للتفوق وخلق الفارق؟ وكم هي الأوقات التي يقضونها في أمور لا فائدة منها وفي أحاديث لا طائل من ورائها؟ ولو تتبعت لوجدت أيامهم كلّها تقريباً تمر بنفس الجدول اليومي دون تغيير، فما يتغيّر فيهم فقط هو ملابسهم، فهم يسلكون نفس الطريق، ويلتقون بنفس الأشخاص، ويكررون ذات الأحاديث، وينتقون من الصحف صفحاتٍ بعينها!
بعد أن حكمت الديناصورات الأرض طيلة 160 مليون سنة، بدأت فصائلها تنقرض شيئاً فشيئاً، لعدم قدرتها على التلاؤم والتكيّف مع تغيّر المناخ في نهايات العصر الطباشيري الثلاثي منذ 65 مليون سنة، قبل أن تنقرض تماماً بعد اصطدام شهاب ضخم بشبه جزيرة يوكاتان المكسيكية، مُخلّفاً فوّهة شيكسولوب بقطرٍ مقداره 180 كيلو متراً، ودماراً هائلاً لمساحاتٍ شاسعة من الأرض.
وها نحن نرى اليوم الكثير من مقلدي جمود الديناصورات، ممن يرفض التغيير وتطوير نفسه، مُخالفاً أبسط بديهيات الكون ألا وهي التحوّل وعدم الثبات، فتمر سني عمره وهو على هامش الأحداث، حتى يوارى التراب دون أن يترك أثراً يُشار إليه!
إنّ البعض يظن النجاح هو بعدد الزملاء على قائمة البلاك بيري أو بعدد المتتبعين على تويتر، غير مستوعب أنّ النجاح هو بالفارق الذي تخلقه في من وما حولك، وبالاثر الإيجابي الذي تتركه من ورائك، وكم هو محزنٌ "التدجين" الاختياري الذي يرضاه البعض لنفسه، ليتبع الآخرين حتى لا يبدو شاذّاً عن الرفاق في منهجه وطريقه، فلا يعدو أن يكون نسخةً مكررة هشّة الداخل متصنّعة المظهر، لا تستطيع أن تختط لنفسها مسلكاً دون موافقات الآخرين ورضاهم، فحيثما ذهبوا ذهب، وما قالوا فهو معهم في ذات الرأي..
وجوده والعدم سيان، لأنه لم يضف جديداً ولم يُحرّك راكداً، ولم يلوّن جدار الواقع الرمادي بألوانٍ زاهية من الإبداع الفكري والعملي، فهو في تبعيته وسلبيته يتناسى أنّ البحار الهادئة لم يسبق لها أن صنعت رُبّاناً عظيماً، وأن الصقور لا تُعاب إن حلّقت منفردة، كما لا يُمدَح الجراد عندما يطير في ألوفٍ مؤلفة!
نحن لسنا أقل من الآخرين في شيء، لكنه الحماس الداخلي الذي لا نُحسن إبقاءه مشتعلاً، لأننا درجنا منذ الصغر في بيوتنا ومدارسنا، على أن نتلقى الأوامر لأداء كل شيء، ولم تُطوّر فينا خصلة التحفيز الذاتي بعيداً عن الدفع الخارجي لنا من الآخرين. ولا أقول هذا لأجد مُبرراً لهذه السلبية، ولكن لنعرف سبب خمولنا الرئيسي.
فمن أراد غداً أجمل من يومه، فلا بد أن يعيد "شحن بطارية" همّته لوحده، ولينتبه لإبقاء جذوة الحماس هذه مُشتعلةً دوماً، لأن المثبطين و"النافخين" لإطفاء هذه الجذوة كُثر، ويسوؤهم أن يتفوّق عليهم شخصٌ كان مثلهم البارحة، حتى لا يكشف تفوّقه كم هم عالةٌ على مجتمعاتهم.
ولننظر كمثال توضيحي، لعدد براءات الاختراع العالمية عندما نرى أمريكا تستأثر بقرابة 48% منها، بينما عدد سُكّانها يمُثّل 4.4% فقط عالمياً.
والمحزن أكثر أنّ إسرائيل - والتي لا تساوي أكثر من 2% من مجموع العرب - أودعت وحدها عام 2010، ما يزيد على سبعة أضعاف ما أودعه العرب مجتمعين، إذ سجّلت إسرائيل حسب بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الوايبو"، ما قدره 1481، في حين أودع العرب 210 فقط!
إنّ الكبد وجلد الإنسان يتجددان كل ستة أسابيع، والكلى كل ثمانية، بينما يتجدّد العمود الفقري كل ستة أشهر، وكم هو مهم أن نقوم بالمثل أمام شخصياتنا، لنعيد تجديدها بصفة دائمة ونطوّر من إمكانياتها، فهي لوحدها مما أوكل إلينا امتثالاً لقوله سبحانه: ((إنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم))، لكن الأماني وحدها لن تُحرّك ساكناً، بل لا بُد من بذل الأسباب.
فرغبتنا في نتائج أفضل كل يوم، تتطلب منّا أن نُغيّر سلوكياتنا اليومية ونكتسب مهاراتٍ جديدة، ولن يتأتى ذلك دون قراءة ومجالسةٍ لمن يفوقوننا علماً وفكراً. وبدلاً من أن نتبرم ونصب جام غضبنا على الزحام المروري الخانق ومن حولنا من المتبرمين أيضاً، فلنُشْغِل هذا الوقت بسماع أحد الكتب المسموعة، وسنرى تأثير ذلك إيجاباً على مزاجنا أولاً وعلى معرفتنا ثانياً.
إنّ العالم لن يتوقف لنا إن لم نتغيّر ونلحق بمن سبقنا، كما أن الزمن ليس في صفنا فهو يمر بذات التسارع، ومن أراد التميّز وأن يكون ضمن "صانعي الفارق"، فلا بد أن يتعب كثيراً لتطوير ذاته، ليخلق إضافة ايجابية لمجتمعه، فبقدر التعب يكون الناتج، ومن أراد مساراً أفضل لحياته لن يُضِيعَ أوقاته على مسلسل حريم السلطان أو لعبة الطيور الغاضبة..
فأعمارنا أقصر من أن نحرقها على سفاسف الأمور، وقدراتنا أكبر من أن نتركها مطمورةً في دواخلنا، مبخوسة الحق كما بخس الهندي الأحمر قدرات الكاديلاك!