عقدت الصين ودول الآسيان العشر مناقشات مطولة، بهدف التوافق على حل قانوني لثروات بحر الصين الجنوبي، ثم أعد الطرفان ميثاق التوافق في بنوم بنه عاصمة كمبوديا، عام 2002. وقد نص أحد بنود الميثاق على أن تعمل دول الآسيان ذات الصلة المباشرة بتلك الموارد، منفردة لحل النزاعات الإقليمية والحقوقية فيما بينها بالوسائل السلمية، من خلال المشاورات الثنائية، والمفاوضات الدبلوماسية، ودون أي تدخل خارجي.
مؤخرا، في 12 يوليو/ تموز 2012، عقد اجتماع دول الآسيان على مستوى وزراء الخارجية، واستمر اسبوعا كاملا في قصر السلام في العاصمة الكمبودية، وهو الاجتماع الخامس والأربعون لوزراء خارجية آسيان من جهة، والمنتدى الإقليمي التاسع عشر لمنتدى آسيان من جهة أخرى. وحضر المنتدى وزراء خارجية وممثلون عن سبع وعشرين دولة، بالإضافة إلى أمين عام منتدى آسيان.
دعا وزير خارجية الصين في كلمته أمام المنتدى، إلى بناء الثقة المتبادلة، والتعاون المشترك، لصياغة ميثاق توافقي يحظى بتوقيع جميع الأطراف التي لديها حدود ومصالح مشتركة في بحر الصين الجنوبي، لتدعيم الثقة المتبادلة وتعزيز التعاون في المستقبل.
وفي الوقت نفسه أكد الوزير الصيني سيادة الصين على بعض الجزر في المياه المجاورة، بالاستناد إلى وثائق تاريخية تدعمها القوانين والأعراف الدولية. ونظرا لصعوبة إثبات الملكية التاريخية التي تؤكد حق التملك في بحر الصين الجنوبي، دعت الصين مرارا إلى وضع النزاعات جانبا، والسعي لتحقيق التنمية المشتركة والشاملة في المنطقة ذات الملكية المتنازع عليها.
تمسكت الصين بالحوار الشامل وصولا إلى اتفاق مكتوب يلتزم به جميع الأطراف، على أن تمارس الدول المعنية سياسة ضبط النفس للحفاظ على روح الاتفاق، والامتناع عن اتخاذ أية إجراءات تساهم في تأجيج النزاعات، وتؤثر على السلام والاستقرار في المنطقة. فبحر الصين الجنوبي ممر حيوي هام بالنسبة للصين، حيث تمر عبره قرابة 60% من تجارتها الخارجية، وهي تولي أهمية كبرى لحرية وسلامة الملاحة فيه، وتسعى مع الدول ذات الحدود البحرية المشتركة، لضمان سلامة الملاحة البحرية عبر ممراته.
في هذه الأجواء التوافقية، اجتمع وزراء خارجية دول آسيان العشرة في بنوم بنه، إلى جانب نظرائهم الآسيويين. لكن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، استغلت الفرصة لحضور الملتقى، وطالبت بإحراز تقدم في مجال التوافق قبل نهاية العام الحالي.
أبدت الصين انزعاجها من التدخل الأميركي غير المبرر في دول آسيان، فهي تفضل عقد مفاوضات ثنائية للبحث في الخلافات الحدودية. لذلك رفضت التدخل الأميركي، وأعلنت تمنعها عن المشاركة في بدء المفاوضات لإنجاز الميثاق التوافقي، إلى وقت آخر.
تجدر الإشارة إلى أن الصين وفيتنام تتنازعان على ملكية جزر باراسيلز وسبراتليز، التي تمر عبرها طرق بحرية دولية ويعتقد أنها غنية بالنفط. كما تطالب بجزر سبراتليز جزئيا أو كليا، كل من الفلبين وبروناي وماليزيا وتايوان.
قدمت كمبوديا نفسها صديقة ثابتة للصين، وتدعم مقارباتها العقلانية لحل النزاعات الحدودية عن طريق التنمية المشتركة للمناطق المتنوع عليها. في المقابل، اتهم حلفاء الولايات المتحدة الصين بالعدوانية ومحاولة السيطرة على الجزر المتنازع عليها في جنوب بحر الصين، واستنكروا موقف كمبوديا المنسجم تماما مع الموقف الصيني، واعتبروه معوقا لإصدار البيان التوافقي.
بدا التحالف الأميركي مع بعض دول آسيان هشا للغاية، وكانت الفلبين وفيتنام أكثر دول آسيان تشددا لاتخاذ موقف في مواجهة الصين. وتوقعت الفلبين صدور بيان مشترك يشير إلى النزاعات الاخيرة قرب جزر سكاربورو المتنازع عليها مع الصين، لكن كمبوديا التي تربطها علاقات تعاون ممتازة معها، منعت الإشارة إلى أي من النزاعات.
ورغم ضغوط وزيرة الخارجية الأميركية، تفرق وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرق آسيا العشر في منتدى "آسيان"، دون إصدار بيان ختامي، بعد أن تباينت آراؤهم حول طريقة إدارة النزاعات الحدودية مع الصين. فاعتبر الإعلان عن انتهاء أعمال الملتقى دون إصدار بيان ختامي سابقة خطيرة غير مألوفة في تاريخ مجموعة آسيان منذ تأسيسها قبل خمس وأربعين سنة.
قدمت الصين وجهة نظرها في المسائل المطروحة أمام ممثلي الدول المشاركة، وأكدت على أن التعاون الإقليمي في آسيا، حقق نتائج هامة لدعم السلام والاستقرار والتنمية والازدهار الإقليمي في منطقة جنوب بحر الصين، لكنها ارتأت أن ملتقى آسيان ليس المكان الصالح لإصدار بيان ختامي بحضور وزيرة الخارجية الأميركية، وأكدت علانية على أن حقوقها الإقليمية في جنوب بحر الصين، لا تخضع للنقاش إلا مع الدول الآسيوية المعنية وذات الحدود البحرية المشتركة معها.
تعتمد الصين القوة الدبلوماسية الناعمة لحل أزمة الحدود البحرية المتنازع عليها، وفي الوقت نفسه، زادت البحرية الصينية من نشاطها في جنوب بحر الصين، بشكل خاص عند جزر سينكاكو، وجزر سكاربورو، وحول جزر سبراتلي التي تطالب بها فيتنام.
وفي حين تساءل حلفاء الولايات المتحدة في مجموعة آسيان عن وجود نوايا توسعية لدى الصين، تأكد الصينيون وحلفاؤهم الآسيويون من وجود نوايا مبيتة لدى الأميركيين، لزرع بذور الفتنة بين الدول الآسيوية لكي تضمن قواعد ثابتة لها في بحر الصين.
فرد الصينيون بموقف حازم ضد هذا التدخل، وطالبوا بإرجاء البحث في الإعلان المشترك لحل النزاع في جنوب بحر الصين. فانتهى الملتقى بتوجيه الصين ودول آسيان صفعة قوية للدبلوماسية الأميركية، ومنع تدخلها في الشؤون الخاصة للدول الآسيوية.