كان أحدُ الكُتّاب المشهورين يمشي على الشاطيء عندما لمح طفلاً يلتقط نجمة بحر ثم يرميها إلى داخل مياه البحر من جديد، ابتسم وأكمل مسيره، في اليوم التالي رأى نفس الطفل يقوم بنفس العمل، فاقترب منه وسأله عن سبب تصرفه هذا فردّ عليه الطفل: "أحاول أن أخلق فارقاً"، فسأله الكاتب متعجباً: "وأي فارق سيحدث والشاطيء مليء بنجمات البحر ولا زالت الأمواج تقذف بالمزيد منها !"، فأجابه الطفل: "ولكنّ فعلي يخلق فارقاً للنجمة التي أرميها" !
رمضان قريبُ الشبه بمحاولة الطفل لخلق الفارق في حياة من يمرون بأيامه المباركة، كثيرون ينكفئون من جديد بعد رحيله ولا يغتنمون تلك الفرصة لبدايةٍ جديدة تماماً كنجمة البحر التي لا تُقدّر منح الطفل لها فرصة نجاةٍ أخرى لتستسلم لأمواج البحر وتياراته في سلبيةٍ حمقاء لتُلقيها من جديد على رمال الشاطيء وشمسه الحارقة، فمن دخل عليه شهر الرحمة والمغفرة وفتح المولى له أبواب العودة فأبى إلا أن يبقى كما كان من قبل ظالماً لنفسه مُقصّراً في حق ربه، لا يرى في الدنيا إلا ما يهوى حتى لوهوى به ذلك، فلا يلومنّ إلا نفسه!
رمضان أتانا ويأتينا وسيأتينا في المستقبل ولا زلنا لا نعرفه ولا يكاد يعرفنا، فإن كان المسيحيون قد سوّقوا أعياد الميلاد والفصح والشكر والقديسين ليُدعموا وشائج الصلة بين موروثهم العقائدي وأجيالهم الناشئة، فإنّ الحال لدينا قد إلتبس كعادتنا في فوضوية التعامل وضبابية الرؤية وعشوائية الوسائل، فنحن بدل أن نسوّق الشهر الفضيل في نفوس أبنائنا قمنا بتسويق المسلسلات الفارغة وما يُسمّى خيم الفنادق الرمضانية !
ولئن قال سبحانه في تعظيمه لقدر هذا الشهر: "شهر رمضان الذي أُنزِلَ فيه القرآن .
هدى للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان" إلا أنّ بعضنا لا يعرف من هدي رمضان إلا هدي أدخنة "المعسّل" ومقاهي الشيشة ولا من بيّناته إلا "لمبات" خيم الفنادق الرمضانية الملونة والتي لن تجد فيها درساً دينياً أومقرئاً للقرآن الكريم أومحاضرة تثقيفية بنّاءة، ولكن ستجد مزيداً من دخان المُعسّل ودندنة مطرب أومطربة حتى ساعات الفجر الباكرة، أفهكذا تُقضى لياليه ونتقرّب للمولى سبحانه ؟
ولأن المضحكات المبكيات لا تتوقف فقد وصل بكثيرٍ منّا الحال إلى أن تم النصح بأداء صلاة التراويح عند هذا المسجد أوذلك، وليس المرتكز في التفضيل هنا قائمٌ على ختم القرآن أوعذوبة صوت الإمام أوجودة المحاضرات الدينية إثر تلك الصلوات، ولكن المعيار هنا أن ذلك المسجد تنتهي به التراويح قبل مساجد المدينة كلّها وأنّ إمامه لا يجاوز قصار السور أبداً، وكلما رأيت مسجداً تحتشد أمامه سيارات الدفع الرباعي تحديداً فتأكد بأنّه لا يسبق تلك السيارات "المزوّدة" إلا امام ذلك المسجد، وكأني أرى الحال مقلوباً هنا عن حال نبينا صلى الله عليه وسلم عندما كان يُنادي كلما ضاقت نفسه من الدنيا ونوائبها: "أرحنا بها يا بلال"، بينما بعضنا وكأنّه يقول: "أرحنا منها يا إمام"!
يأتينا رمضان هذه المرّة وهناك جًلّبةٌ كبرى انحلّ عِنانها فور إعلان إحدى القنوات عن عرض مسلسل عن فاروق الأمّة رضي الله عنه، وبعيداً عن صواب ذلك من خطئه إلا أن الاستغراب ليتملّك الإنسان وهويرى كل ذلك الغضب منقطع النظير والرافض لعرض المسلسل، والذي لم نرّ عُشره بل ولا عُشر العُشر لشجب ورفض خيم الطرب العربي الأصيل ومسلسلات التفاهة من فئة (أنا أحب ولد الجيران، الخائن طلقني، وصديقتي تكلم رفيجها).
الأمر الذي يؤكد أن لدى البعض ازدواجية مقلقة في المعايير وحَوَلاً فكرياً في إنزال الأمور في منازلها الصحيحة، كذلك الكوفي الذي سأل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في موسم الحج إن كان دم البعوضة مما يُفسد صحة نُسُكه، فقال له: "قاتلكم الله، قتلتم ابن رسول الله وتسألني عن بعوضة!" فانتقائية البعض الغريبة فيما يُقبَل وما يُرفض لا يمكن فهمها لافتقادها للمنهجية الواضحة والتي تتعامل مع كل الوقائع بتجرّد بيّن.
ومن الأمور التي تستوقف المرء استماتة البعض في محاولة نشر وإعلاء شأن الفوائد الطبية والصحية والنفسية وما قاله الطب الحديث عن منافع الصوم، وكأنّه إنما صام لمنفعة الصوم لا لأمر المولى سبحانه، إذ من المهم أن نعلم أننا نتعبد للتوجيه الرباني ولسنا إطلاقاً نتعبد للحكمة من وراء ذلك، ولوكان شرط التعبّد أن نعرف الحكمة لما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لوكان الدين بالرأي، لكان مسحُ باطنَ الخُف أولى من ظاهره".
فضلاً عن أنه من المهم أن نستحضر المقصد الرئيسي للصوم وهوأن نشعر بمعاناة الفقير والمعدم وقليل ذات اليد، فالإحساس بالجوع مطلوب والشعور بذلك الضنك المؤقت مهم، فالنفس البشرية لا تعرف طبيعة الأمر ولا حجمه ولا أثره على النفس ما لم تجرّبه فعلاً، ولن نشعر بمعاناة جارٍ لنا أوعاملٍ متعفف إن كنّا على طاولة الإفطار نُصبح (كاسحة ألغام) لا تُبقي ولا تذر، فبأي منطقٍ يمكن التصديق بأنّ هناك من يزداد وزنه بعد شهرٍ كامل من الصيام؟