قبيل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية، في أواخر يونيو الماضي، تكهنت أوساط أكاديمية أميركية معنية بالدراسات الروسية، بأن بوتين ينوي تعزيز الروح القومية الروسية، وتقوية المشاعر المناهضة للغرب، وتجاهل سياسة التقارب مع الولايات المتحدة التي انحاز إليها سلفه ميدفيديف.

وفي تحليلها لشخصية بوتين وتشوفها لسلوكه في ولايته الثالثة، ذهبت هذه التكهنات إلى أنه ينطلق من منظور سلبي للعالم، معتبرا إياه عالما خطيرا ومضطربا ومعاديا، لا يصح التعامل معه إلا من خلال مقولة القيصر إسكندر الثالث "ليس لروسيا حلفاء سوى جيشها وأسطولها..".

في تفسير هذه التوقعات، قيل إنها نتاج قراءة لخطاب بوتين في ولايتيه السابقتين الذي لم يحِد عنه، وأسلوبه في التعاطي مع المعارضة الداخلية غداة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث الفتور وعدم الاكتراث تجاه مطالب الإصلاحات السياسية، واعتقاده بأن روسيا ليست ناضجة للديمقراطية التعددية.

اللافت في هذا السياق، أن بعض التحليلات اتخذ من حفل تنصيب بوتين في الكرملين (8/5/2012)، الذي وصفته بالباذخ والرائع والأسطوري والهوليوودي..، دليلا على صحة التوقعات المذكورة بأن بوتين يتطلع إلى "دور قيصري" فعال، ينهي به عقدي الاستخفاف بروسيا على الساحة الدولية، ومحاولات الغرب للتلاعب بمقاديرها بأدواته الضاغطة خارجيا، أو عبر التحريض وتوظيف المعارضين وإثارة التوترات والقلاقل داخليا، أو إقليميا في دائرة آسيا الوسطى.

هذا التشخيص، الذي نتصور صحته وسلامة توصيفه للتحرك الروسي خلال المرحلة الراهنة والمستقبل المنظور، يأتي مواكبا للتحولات والخرائط التي تعتمل في الرحاب العربية (الشرق أوسطية)؛ التي ربما أسفرت عن معطيات مغايرة لما عهدته موسكو وعهدناه معها في زمن الحرب الباردة.

فليس صحيحا أن الصحوة الروسية لتبوؤ مكانة تليق بقطب دولي ينافس على قمة النظام الدولي مجددا، سوف تعني تلقائيا استعادة العرب لهذا القطب الذي طالما انتصر لهم وآزرهم في قضايا فارقة، على رأسها الصراع الصهيوني العربي. إن عرب اليوم والمستقبل القريب، ليسوا عرب الزمن السوفييتي.

ثمة في روسيا من يتأبط شرا، أو لنقل يتربص حذرا، جراء التفاعلات الراهنة عربيا، التي توحي بصعود طبقات سياسية ورؤى وايديولوجيات مختلفة؛ لا تستمرئها موسكو بقيادة "القيصر بوتين".

والحق أن بعض الشراح الروس يدفعون بأن بوتين لا يخضع لما يدعى بالإسلاموفوبيا، على غرار بعض القادة الغربيين سياسيا وفكريا، وأنه يدرج الإسلام ضمن مكونات الهوية الروسية الاتحادية..

لكنه وبطانته يتحسبون من انتشاء آسيا الوسطى بهزيمة الولايات المتحدة، وانفعالها بالتيارات الإسلامية في الشرق الأوسط.

وهم يتبنون عموما رؤية سلبية إزاء ما يدعى بالربيع العربي، كونه يقضم من مساحة نفوذهم في المنطقة، الأمر الذي يستحثهم على مقاومة إسقاط نظام بشار الأسد في دمشق، بحسب آخر تعبيرات هذا النفوذ.

ويقدر هؤلاء الشراح أن هذا المشهد العربي، المعاكس لطموحات بوتين الشرق أوسطية، ربما هيأ بيئة مواتية لتقاربه مع إسرائيل. في تعليق موح على هذا التحول الفارق، كتبت صحيفة موسكوفسكي كمسموليتس (17/6/2012) أن "العلاقات الروسية الإسرائيلية ما زالت تدور في إطار الصداقة ولم ترق إلى التحالف، وما زال الروس ينظرون إلى إسرائيل كحليف مرتهن للولايات المتحدة..

كما أن المجمع الصناعي العسكري الروسي، ما زال خاضعا للتيار المؤيد للعرب، بيد أن هناك ما يؤشر إلى زوال هذه المعوقات قريبا. فروسيا خسرت حلفاء كثيرين في المنطقة، وبانهيار نظام الأسد تفقد آخر قواعدها على المتوسط..".

تتعزز صدقية هذا التشوف الاستراتيجي لاحتمال الاقتراب الروسي من إسرائيل إلى ما هو أرقى من الصداقة، عند مطالعة حجم المصالح المشتركة الآخذ بالتضخم والاتساع، الذي يبرز أن روسيا هي التي تبدو بحاجة إلى هكذا تطور.

فإسرائيل تتولى تحديث أنظمة الري والزراعة الروسية، ويلمح مسؤولون روس إلى حاجتهم للخبرات الإسرائيلية في مجالات حيوية، كتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وتحديث بعض الصناعات العسكرية.

إلى ذلك، فإنه ليس هينا في إيحاءاته على زعم التقارب الثقافي بين الجانبين، أن يشير بوتين إلى إسرائيل كدولة يسكنها عدد كبير من المواطنين الروس، ولهذا "فإننا لا بد أن نكترث بما يجري هناك.."، في إشارة إلى أكثر من مليون مستوطن، هاجروا من الرحاب السوفيتية السابقة إلى إسرائيل خلال العقدين الأخيرين.

ويتصل بهذه الملاحظة تعمد بعض كبار الساسة الإسرائيليين، استخدام اللغة الروسية في مخاطبة نظرائهم الروس.

لا ندري كيف ستوفق إسرائيل بين استمرار شراكتها العضوية التقليدية مع عالم الغرب؛ الظهير الأميركي بالذات، وبين تقوية صلاتها بالقطب الروسي الطامح إلى الريادة الدولية؟ ولا تقل الحيرة عند التأمل في الكيفية التي ستعالج بها موسكو مثل هذه المعادلة.

أيضا، يصح التساؤل عن مدى الرضى أو الامتعاض الأميركي من التقارب الروسي الإسرائيلي الآخذ في اليفوع والتطور.

ولعل أكثر الأسئلة إلحاحا وجدارة بالطرح في هذا الإطار، تتعلق بما يتعين على العرب فعله للتعامل مع هذا المستجد، وكبح جماح تداعياته السلبية على قضاياهم!..