شكل الالتباس الذي رافق إقرار قانون تثبيت المياومين في شركة كهرباء لبنان، منطلقا لحركة سياسية واسعة اتخذت أبعادا طائفية، وأربكت التحالفات السياسية القائمة على الساحة اللبنانية.
فالخلل الإداري مريع في أجهزة الدولة اللبنانية، التي أصيبت بالشلل شبه التام منذ سنوات طويلة. وفشلت السلطة السياسية منذ بداية عهد الاستقلال عام 1943، في بناء إدارة عصرية بأبعاد وطنية، يتساوى فيها اللبنانيون من حيث المشاركة الفاعلة وفق الكفاءة والمناقبية من جهة، وتعميم الخدمات الإدارية بصورة متساوية لجميع المواطنين، على اختلاف طوائفهم ومناطقهم وميولهم السياسية من جهة أخرى.
كان من ثمار الحرب الأهلية المرة في لبنان، أن القيادة السياسية الوطنية أخلت مكانها لقيادة مذهبية، وعلى خلفية ميليشياوية أحيانا. فتوقفت عملية الإصلاح الإداري منذ عقود، ولم تنجح محاولات الإصلاح الإداري التي مولتها بسخاء الدولة اللبنانية أو مؤسسات غربية.
تعتبر الطبقة السياسية الحاكمة في لبنان نفسها فوق الدولة، وغير خاضعة لأي شكل من أشكال المساءلة القضائية أو المالية. وأمعنت بعد اتفاق الطائف، في نسف ركائز الإدارة اللبنانية وشل قدراتها، وأدخلت نسبة كبيرة من أفراد الميليشيات في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، فتحولت إدارات الدولة إلى مراكز نفوذ لزعماء الطوائف والميليشات.
على جانب آخر، أحدثت الحرب الأهلية لسنوات (1975- 1989) تبدلا جذريا في النسب السكانية وفق التوزيع الطائفي والمذهبي، لصالح الطوائف الإسلامية. فبات عدد المسلمين في لبنان يقارب 64% من السكان المقيمين، مقابل 36% لجميع الطوائف المسيحية، وانعكست تلك النسب بتراجع مستمر للوجود المسيحي في إدارات الدولة اللبنانية.
شكل التضامن الداخلي لبعض الطوائف اللبنانية، منطلقا لترسيخ سيطرتها على بعض مؤسسات الدولة وإداراتها، بدعم مباشر من قيادات سياسية لأحزاب ذات لون طائفي أو مذهبي وحيد الجانب. نتيجة تلك العوامل مجتمعة، أصيبت إدارات الدولة بشلل كامل، وأطلقت عليها صفات سلبية لا حصر لها، تؤكد على غياب الدولة، أو ضعفها وهشاشتها، وعجزها عن القيام بدورها.
في هذا السياق جاءت أزمة تثبيت المياومين في كهرباء لبنان، بموجب قانون أقر في مجلس النواب اللبناني، دون أن يتم التوافق على الصيغة التي أعلن بها، مما أدى إلى أزمة سياسية حادة، رافقها وقف اجتماعات الحكومة، ثم مجلس النواب. وهي النتيجة المنطقية لسياسة تجاوز القوانين والأعراف الديمقراطية، وإضعاف الدولة في لبنان.
وسرعان ما تبين أن اصطفاف الوزراء والنواب المسيحيين، لا يعود فقط إلى الخلل الطائفي والمذهبي الذي سيلحق بمؤسسة كهرباء لبنان، في حال تثبيت المتعاقدين الذين ينتمي نحو 80% منهم إلى طوائف إسلامية.
فهذه المسألة هي نتيجة حتمية للممارسات الطائفية والمذهبية المستمرة منذ سنوات طويلة. وتدخل الزعماء اللبنانيين، من جميع الطوائف، أدى إلى إفراغ الإدارات اللبنانية من الموظفين الدائمين، وإحلال متعاقدين ومياومين مكانهم لا يتمتع عدد كبير منهم بالكفاءة المطلوبة لإشغال الوظيفة.
فلم يتم تعيين العمداء في الجامعة اللبنانية منذ ثماني سنوات، واستعيض عن التعيين بتكليف من رئيس الجامعة. وبات السلك الدبلوماسي اللبناني في الخارج شبه فارغ من السفراء وباقي فئات الدبلوماسيين، لأن التعيينات متوقفة منذ سنوات.
جديد أزمة تثبيت المياومين في كهرباء لبنان، أنه قاد إلى تضامن للوزراء والنواب المسيحيين هو الأول من نوعه منذ العام 2005، وذلك تحت ستار رفض تهميش المسيحيين في إدارات الدولة اللبنانية. وهو مشهد غير مألوف سابقا بسبب الانقسامات الحادة بين القادة المسيحيين، فأدى تضامنهم إلى شل عمل الحكومة، وتوقف اجتماعاتها، وتوقفت جلسات مجلس النواب لأجل غير مسمى.
وسرعان ما تضامن نواب من كتلة تيار المستقبل وكتلة النائب وليد جنبلاط مع زملائهم المسيحيين، لامتصاص النقمة ومنع الانزلاق إلى الاصطفافات المذهبية. وبلغ التوتر السياسي مرحلة حرجة تنذر بأزمة حكم، حيث تشهد الساحة اللبنانية اعتصاما مذهبيا في صيدا ضد المقاومة، وتحركات طائفية في منطقة عكار ضد الجيش اللبناني.
لقد أدى شعار رفض التهميش الطائفي في إدارات الدولة، إلى تكتلات طائفية تزيد من إضعاف الدولة ومؤسساتها، كما أن إدارة جلسات مجلس النواب باتت موضع انتقاد من أطراف سياسية مختلفة. ومن المتوقع أن يرد رئيس الجمهورية مشروع تثبيت المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان، استنادا إلى بند ميثاقي، لأنه يهدد السلم الأهلي والعيش المشترك.
فالجميع مسؤولون عن إيجاد حل لمشكلات الإدارة اللبنانية المزمنة، ومنها مشكلة المياومين في جميع إدارات ومؤسسات الدولة اللبنانية.
فالإدارة مرآة الشعوب، ويتميز الشعب اللبناني بالوعي الوطني وبوجود عدد كبير من أصحاب الكفاءة في جميع المجالات، وهو يستحق إدارة عصرية تنبني على المساواة التامة بين جميع اللبنانيين، بصفتهم مواطنين في دولة ديمقراطية عادلة، وليسوا رعايا ملحقين بزعماء الطوائف والميليشيات.
لقد بات الفساد الإداري المدعوم طائفيا وسياسيا، يهدد وحدة لبنان ومستقبل اللبنانيين، كما يهدد صمود لبنان واستمرار مقاومته الوطنية، وذلك يتطلب تجنب الأزمات التي تقوض ركائز الميثاق الوطني والعيش المشترك.
ونظرا لإجماع الوزراء والنواب المسيحيين في عملية الاعتراض على رفض تثبيت المياومين بهذه الطريقة، تحولت القضية من مسألة إدارية مزمنة لعمال مؤسسة كهرباء لبنان، إلى قضية سياسية تهدد التضامن الحكومي، وجلسات مجلس النواب، والتحالفات السياسية، واستدرج ذلك الإجماع تضامن نواب من طوائف أخرى.
والخلل في التوازنات الطائفية داخل الإدارة اللبنانية، يحرك الشعور الطائفي في الشارع، ويهدد السلم الأهلي. لكن ما شهده مجلس النواب مؤخرا من اصطفاف طائفي، ليس سوى زوبعة عابرة لا تهز بنية النظام السياسي اللبناني. فالمسألة تتجاوز إنصاف مياومين في شركة الكهرباء، لتندرج في إطار تحالفات مرتقبة في الانتخابات النيابية القادمة.
وبناء إدارة وطنية قوية وغير طائفية، يتطلب تضامنا وطنيا لبناء دولة لبنانية عصرية وقوية. فهي الآن دولة رخوة، مشلولة، هشة، وتخضع لمزاج حفنة ضئيلة من زعماء ميليشيات، هم في الوقت نفسه زعماء طوائف وكتل نيابية كبيرة تمنع قيام الدولة المركزية القوية. وهم مصدر الفساد والإفساد في لبنان.