خضت أخيرا غمار نقاش علني مع سياسي لم يتردد في القول إن ولاية أريزونا وكل ولاية أخرى في الولايات المتحدة، ينبغي أن تستخدم كل الوسائل الضرورية لإبعاد المهاجرين غير الشرعيين.
وهو يريد أن يدور الحديث في جميع الفصول الدراسية في أميركا باللغة الإنجليزية، كما يريد ترديد التعهد بالولاء للولايات المتحدة صباح كل يوم، ويرغب في استعادة كل دولار من الخمسمئة مليار دولار التي تشكل تخفيضات في ميزانية الدفاع الأميركية، والتي سيبدأ اقتطاعها في يناير المقبل.
وقد قال في هذا الصدد: "يتعين علينا أن نحمي أميركا ونحافظ عليها، هذا هو معنى الوطنية". بالنسبة لشريكي في هذا السجال، فإن الوطنية تدور حول حماية البلاد من الأجانب الذين يسعون إلى اجتياحنا، سواء أكانوا من المهاجرين الذين يأتون إلى أميركا بشكل غير شرعي، أو القوى الأجنبية التي تهدد بالعدوان علينا.
ولكن هناك معنى آخر للوطنية قد يكون أكثر أهمية، وهو التجمع سويا من أجل النفع العام، والمساهمة في جمع التبرعات من أجل مدرسة محلية، أو التطوع للعمل في مأوى للمشردين، ودفع الضرائب بحيث يتاح لمجتمعنا أو بلدنا ما يكفي من الموارد لتلبية كل احتياجاتنا، والحفاظ على نظامنا الحاكم وحمايته. هذا المعنى الثاني للوطنية يقر بمسؤولياتنا، كل منا قبل الآخر، كمواطنين في مجتمع.
وهو يقتضي التعاون وعمل الفريق والتسامح والتجرد من الأنانية. ولكننا غالبا في هذه الأيام لا نمارس هذا الشكل من الوطنية، فنحن نتبادل الصراخ بدلا من أن نتعاون، ونقف محافظين في وجه الليبراليين، وديمقراطيين في وجه الجمهوريين، ونقابيين في وجه غير النقابيين، ودينيين في وجه العلمانيين.
لقد غدت حياتنا السياسية أشد سوءا وانحطاطاً، والإعلان السلبي يملأ موجات الأثير في عام الانتخابات هذا، ونحن نتعلم المزيد حول السر في أننا ينبغي ألا نقترع لشخص ما، أكثر من السر في أننا ينبغي أن نصوت له.
لقد قام بعض المسؤولين المنتخبين بإحلال النزعة الحزبية محل الوطنية، ووضعوا الولاء للحزب فوق الولاء للوطن، تماما كما حدث بعد انتخابات 2010، فإن زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ سئل عن الأولوية القصوى لحزبه في العامين المقبلين.
ولربما توقع السائل أن يقول إن هذه الأولوية هي دفع الاقتصاد للمضي قدما وتقليص البطالة، أو السيطرة على العجز في الميزانية، أو تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.. ولكنه قال إن هذه الأولوية ستتمثل في التأكد من أن الرئيس لن يحصل على فترة رئاسة ثانية!
إن نظام الحكم في أميركا هو أثمن مقتنياتها، وأشدها هشاشة، وهو السبيل إلى أن نتجمع سويا باعتبارنا أمة من أجل الصالح المشترك، وهو لا يقتضي منا ولاءنا فحسب، وإنما اليقظة المستمرة أيضا لجعله يستمر في أداء ما هو منوط به. ومع ذلك فإن بعض الممثلين المنتخبين، يتصرفون كما لو كانوا لا يكترثون لنظام الحكم هذا، طالما أنهم يحققون أهدافهم الحزبية.
نادرا ما استخدمت عرقلة، ولكن خلال العقد الماضي فإن التهديد بالعرقلة أصبح إجراء قياسيا، يؤدي بالفعل إلى إغلاق مجلس الشيوخ لبعض الوقت. وفي غضون ذلك، فإن بعض أعضاء مجلس النواب كانوا على استعداد لإيقاف الحكومة بأسرها لكي يمضوا قدما في طريقهم، وفي الصيف المنصرم كانوا على استعداد للمخاطرة بالثقة في الولايات المتحدة لكي يحققوا أهدافهم.
لقد فتحت المحكمة العليا الأميركية الأبواب أمام فيض من الأموال التي لا حدود لها، والتي تتدفق من أصحاب المليارات والشركات الكبرى لتغرق ديمقراطيتنا، وذلك استنادا إلى النظرية الغامضة القائلة بأن الشركات هي عبارة عن أناس، وتخضع للتعديل الأول للدستور الأميركي..
بل إن الكونغرس يرفض تمرير مشروع قانون يقتضي إعلان أسماء هذه الشركات. وأكثر من ذلك، فإن بعض أعضاء الكونغرس قد وقعوا تعهدا، ليس بالولاء للولايات المتحدة، وإنما لرجل يدعى غروفر نوركويست الذي لم ينتخبه أحد قط، ويقول إن إغلاق ثغرة ضريبية يرقى إلى مرتبة فرض ضرائب، وبالتالي ينتهك التعهد!
إن الوطنيين الأميركيين لا يكرهون الحكومة الأميركية وإنما يفخرون بها، وقد خاطرت أجيال من الأميركيين بأرواحهم للحفاظ عليها، وهم ربما لا يحبون كل ما تفعله، ويشعرون بالقلق على نحو مبرر عندما تحصل المصالح الخاصة على أكثر مما ينبغي من السلطة في مواجهتها، ولكن الوطنيين الأميركيين الحقيقيين يعملون من أجل تحسين الحكومة الأميركية، وليس من أجل القضاء عليها.
لكن بعض الأميركيين يمقتون الحكومة هذه الأيام، ويقومون بكل ما في وسعهم لإصابتها بالشلل وتجويعها وجعل الرأي العام يلتزم موقفا ساخرا منها، بحيث إنها لم تعد قادرة على القيام بالكثير حيال أي شيء، وأحزاب الشاي تنطلق للقضاء عليها كلية، ويقول نوركويست إنه يرغب في تقزيمها إلى حد يصبح من الممكن معه "إغراقها في حمام".
وعندما يجادل بعض الأثرياء الأميركيين ضد دفع نصيبهم العادل من الضرائب، فإنهم يزعمون "إنها أموالي". وهم ينسون أيضا أن أميركا هي بلادهم، وما لم يدفعوا نصيبا عادلا من الضرائب فإن أميركا لا يمكنها أن تلبي الاحتياجات الأساسية للشعب الأميركي، والوطنية الأميركية الحقيقية تعني الدفع لأميركا.
وهكذا فإنك عندما تسمع الناس يتحدثون عن "المحافظة والحماية" بالنسبة لأميركا، فعليك التزام جانب الحذر، فهم ربما يقصدون تأمين حدود أميركا، وليس تأمين المجتمع الأميركي. ورغم ذلك، فإن الوطنية الحقيقية لا تدور بشكل أساسي حول إبعاد الغرباء الذين ينظر إليهم كخصوم مشتركين، وإنما الوطنية تدور حول التضافر معا من أجل الصالح المشترك.