«وأخيرا أسترد حريتي».. تحت هذا العنوان الذي يثير أكثر من سؤال، أعلن أيوب المسعودي المستشار الإعلامي الأول للرئيس التونسي المؤقت منصف المرزوقي، استقالته من منصبه في رسالة نشرها على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".
ليكون بذلك المستشار الثالث الذي يستقيل من القصر الرئاسي، بعد استقالة كل من المستشار المكلف بالشؤون الخارجية، والمستشار الأول المكلف بالملفات الاقتصادية.
استقالة المستشار الإعلامي الأول للرئيس التونسي المؤقت، أعقبها بعد أيام قليلة إعلان الهيئة الوطنية التونسية لإصلاح الإعلام والاتصال، إنهاء عملها لعدم قدرتها على أداء المهمة التي كُلفت بها بعد الثورة، وهي إصلاح قطاع الإعلام لضمان حرية التعبير والصحافة في البلاد، متهمة الحكومة التي يطغى عليها الإسلاميون باللجوء إلى وسائل رقابة وتضليل.
أما تصدع الائتلاف الحاكم في تونس التي تعيش سنة أولى ديمقراطية، ويعدّها البعض التجربة الأكثر توافقا في الحكم، فيشير إلى أن ثمة نسمات ساخنة تهب على الربيع العربي الذي أطلقت تونس شرارته الأولى، وأن ثمة تغيّرا يحدث في طبيعة مناخه الممتد من "قصر قرطاج" حيث يقطن الرئيس التونسي المؤقت منصف المرزوقي، إلى قصر الحكومة المؤقتة في القصبة.
حيث يستقر رئيسها حمادي الجبالي، الأمر الذي بات يهدد ائتلاف الترويكا الحاكمة بعد ثورة الرابع عشر من يناير، التي قامت لاسترداد الحرية ولم تنجح في ذلك كما يبدو من عنوان استقالة المستشار الإعلامي الأول للرئيس التونسي المؤقت.
في ليبيا المجاورة توجه الليبيون يوم أمس الأول إلى صناديق الاقتراع، لاختيار 200 عضو يمثلون المؤتمر الوطني العام، في أول انتخابات تشهدها ليبيا منذ نصف قرن تقريبا. الليبيون الذين فُرِض عليهم ألا يروا منذ أكثر من أربعة عقود، سوى صور العقيد معمر القذافي في الشوارع والميادين، أصبحوا يرون اليوم صور قرابة أربعة آلاف مرشح يتنافسون على مقاعد المجلس دون أن يسألهم أحد: "من أنتم؟".
طقس احتفالي كان يُفتَرض ألا يفسده شيء، لكن دعاة الفيدرالية في شرق ليبيا الغني بالنفط والثروات الطبيعية، حاولوا إفساده وهم يطالبون بمقاطعة الانتخابات التي يرون أنها لم تمنح تلك المنطقة تمثيلا عادلا في المؤتمر الوطني العام.
هذه المعارضة تجاوزت دعوة المقاطعة إلى تمزيق اللافتات الانتخابية للمرشحين في شوارع بنغازي والرقم الانتخابي لكل مرشح، واقتحام مقر المفوضية العليا للانتخابات في المدينة، وحرق الكشوف الانتخابية قبل أيام من بدء الانتخابات، وإغلاق المرافئ التي يصدر منها النفط الليبي، وإطلاق النار على العاملين في مفوضية الانتخابات، والسيطرة على بعض مراكز الانتخاب في مناطقهم.
الفيدرالية التي وُجِدت لتوحيد المقسّم، تُستغَل في ليبيا لتقسيم الموحد، ومصراتة والزنتان تتصرف كل منهما كدولة، على حد تعبير أحمد زبير السنوسي رئيس إقليم برقة المُنَصَّب حديثا، وتسيطر كل منهما على مطارها، وتسيّر رحلاتها الجوية دون الرجوع إلى المجلس الانتقالي.
وتعقدان الاتفاقات مع دول خارجية، وتستوليان على الإيرادات، فالمليارات تدخل وتخرج منهما دون أن يعرف أحد أين تذهب، والبترول يباع على الأرصفة. هكذا هي صورة ليبيا ما بعد ثورة السابع عشر من فبراير، كما تُنقَل لنا من الداخل.
أما اليمن الذي عرفناه سعيدا، فما زالت سعادته منقوصة، رغم رحيل رأس النظام، إذ عاد الشباب إلى الساحات للاحتجاج على عدم تغير الحال مطالبين بالحوار، وخرجت إلى العلن الخلافات بين الأطراف السياسية المكونة لجبهة الثورة التي أطاحت بنظام حكم الرئيس علي عبد الله صالح.
وأصبح "تدوير الفساد في مواقع الفساد"، هو الوصف الذي يطلقه البعض على ما يجري، بينما يتهم البعض الآخر الائتلاف الحاكم المشكل من القوى المكونة لجبهة الثورة وحزب الرئيس السابق، بتقاسم المناصب المدنية والعسكرية.
يحدث هذا في الوقت الذي يعاني فيه اليمن من أزمة اقتصادية خانقة وأحوال معيشية متردية، واضطراب أمني نشط في ظله تنظيم القاعدة مستغلا الوضع، بينما استغلت أطراف خارجية هذه الأوضاع لدعم بعض الفئات ومدها بالمال والسلاح لتصبح دولة داخل الدولة، إذ تنشط إيران في أوساط الحوثيين الذين كانت تدعمهم منذ عهد الرئيس صالح، وهي تسعى إلى مد رقعة نفوذها في جنوب شبه الجزيرة العربية.
ولا تكتمل صورة الربيع العربي إلا بالمرور على مصر التي هي كل جمعة في شأن، من جمعة "يسقط يسقط حكم العسكر" إلى جمعة "يسقط يسقط حكم المرشد"، بانتظار ما سينجلي عنه مشهد الثورة التي يعتقد الكثيرون أنها قد اختُطِفت، وأن الأيام حبلى بالكثير كما عودت مصر دائما.
أما ربيع سوريا فهو ساخن حدّ غليان الدم في العروق، مع أن هناك من يقتل بدم بارد، ولا ينظر إلى ما هو أبعد من تثبيت أقدامه في السلطة، رغم كل الجُمَع التي تفنن الثوار في اختيار الأسماء لها، دون أن تحرك ساكنا لدى ساكني القصر الجمهوري، الذين ما زالوا يرتدون قمصانا مكتوباً عليها "حلوة يا بلدي".
وفي السودان ربيع من نوع آخر، انتقل من جمعة "لحس الكوع" إلى جمعة "شذاذ الآفاق"، لكنه يبدو ربيعا يطبخ على نار هادئة، لذلك لا أحد يعرف متى سينضج. وتبدو الحكومة غير منزعجة منه ومما تقوله أحزاب المعارضة، لأنه ليس لدى هذه الأحزاب الزخم الشعبي الذي يمكنها من تحويل وعودها إلى أفعال، وفق ما يقول المسؤول المتنفذ في حزب المؤتمر الحاكم ربيع عبد العاطي، وهو الكلام نفسه الذي سبق أن سمعناه في كل الدول التي سبقت السودان إلى فصل الربيع العربي.
"ربيع فوق صفيح ساخن" هو الوصف الأنسب للربيع العربي، بعد عام ونصف من هبوب نسمات هذا الربيع، التي تحولت إلى رياح ساخنة مثيرة للغبار والأتربة في بعض الدول. العالمون ببواطن الأمور والمتتبعون لحركة التاريخ يقولون إن ما يحدث أمر طبيعي، أما القابضون على الجمر فليس أمامهم سوى الصبر، في انتظار ساعة الخلاص ولحظة انبلاج الفجر.