هل نحن فعلا بحاجة لقوانين تحفظ هوية مجتمعنا وعاداته وذوقه العام من الانحراف والانجراف والتغريب أم نحن بحاجة لحملات توعوية تثقيفية تعرف ملايين البشر الذين يقطنون أرضنا وأولئك الذين يأتون لزيارتنا بثقافتنا الاجتماعية وحدودها وخطوطها الحمراء التي لا تتحمل التجاوز ؟
هل نحتاج لأن نكون أكثر صرامة مع من يخدش الحياء العام ويأتي بسلوكيات مشينة أم نحتاج لأن نكون أكثر تعقلا ووعيا كون أي تصرف من قبلنا ينعكس على صورة بلدنا الحضارية في الخارج؟ هل تحتاج هوية البلد وثقافته الاجتماعية وعاداته إلى تقنين للحفاظ عليها أم بحاجة إلى تجذيرلتعميقها وبالتالي ازالة أي خوف وقلق ؟
يوم بعد يوم تتعالى الصيحات وتظهر المبادرات الشعبية والرسمية المنادية بقانون للحشمة في البلد يقي الذوق العام , ويقي ما تبقى من عاداتنا من شر التغريب والانفتاح والعولمة.
ويوما بعد يوم يتبين لنا مدى ما يخلفه بعض الأجانب من ممارسات غير اخلاقية تخدش الذوق العام وتسىء لنا كبلد عربي مسلم.ويوما بعد يوم يتبين للكثيرين أهمية اتخاذ إجراء صارم تجاه من يحاول بسلوكياته الخاطئة وتصرفاته الشاذة الإساءة للذوق العام وخدش الحياء.
ولكن أيضا بمرور الأيام يتبين لنا أننا أمام قضية شائكة وليست بالسهلة وأمرها لن يحل بجرة قلم وبقانون. الجدل حول هذه القضية مستمر وكذلك عدم قدرتنا على فعل شىء أمام هذه الإساءة المتعمدة في الكثير من الاحيان.
البعض يرى بأننا بحاجة ماسة لقانون الحشمة لدرجة أنه تمت مناقشة هذه القضية في المجلس الوطنى بغية التوصل إلى إصدار قانون يلزم الأجانب , خاصة غير المسلمين على الالتزام والتقيد بعادات البلد وقوانينه فيما يتعلق بارتداء الزي المحتشم, وعدم الإتيان بممارسات غير أخلاقية في الأماكن العامة.
هذا في رأي المجلس الوطني , مطلبا شعبيا ويجب أن يتخذ بشأنه اجراء رسميا. لذا ناقشه المجلس بنية العمل على استصدار قانون ملزم للأخرين باحترام خصوصية المجتمع والحفاظ على تقاليده وذوقه العام.
ومن الجانب الآخر , فهناك من يرى انعكاسات عديدة لقانون كهذا. أنه , وحسب اعتقاد أصحاب هذا الرأي , سوف يؤثر على سجل الإمارات في الحريات المدنية والعامة وسجلها في الانفتاح والأهم من ذلك قطاعها السياحي الذى سوف يتأثر بالتأكيد من جراء فرض قانون كهذا. لقد دخلت الإمارات في مرحلة العولمة الجديدة التي لا رجعة عنها ولن تفيد في هذه المرحلة قوانين أو ما شابه ذلك.
اما التيار الثالث فيبرز نفسه على أنه الأكثر عقلانية والأكثر وسطية. فهو يرى أن سجل الإمارات في الحريات المدنية والشخصية هو مكسب حقيقي استطاعت الإمارات دون غيرها من دول المنطقة تحقيقه عبر اتخاذ كافة الوسائل والطرق المنطقية ودون إجبار ودون المساس بحرية أحد.
ولكن الحفاظ على هوية البلد وعاداتها من التغريب والانفتاح هو المكسب الأهم. ولذا فان اتخاذ الإجراءات التي يمكنها من تحقيق هذه المعادلة الحضارية ليس بالشىء الصعب.
لذا فعلى الرغم من تحفظ أصحاب هذا التيار على اصدار القوانين المقيدة للحريات الا أنهم يرون ضرورة قصوى في الحفاظ على هوية البلد العربية الاسلامية ولا يرون في تحقيق هذه المعادلة أمرا صعبا. لذا فانه عوضا عن القوانين فان التوعية هي الاهم خاصة وعندما تكون بلغات متعددة وموجهة لفئات معنية وتوزع عبر المنافذ الحدودية فان تأثيرها سوف يكون أكثر شمولية.
فلا يوجد شىء في قانون السياحة ما يمكن أن يطلق عليه «السياحة الاسلامية «. فالسياحة العالمية أصبح لها متطلبات معينة لا بد من توافرها والا سوف نخسر رصيدنا السياحي وبالتالي موردا اقتصاديا مهما للغاية.
هذه الأراء جميعها تموج في الداخل وتعكس تباين المواقف حول ما يجري في بلدنا. ولسنا الوحيدين في العالم الذين نتعرض يوميا لمثل هذه الصراعات الاجتماعية والفكرية. فدول كثيرة سبقتنا إلى هذا المجال, ودول عديدة استطاعت فرض قوانين صارمة واشتهرت بها دون المساس بالحريات العامة والشخصية.
فدولة مثل سنغافورة أشتهرت بقانون النظافة الصارم دون أن يؤثر فرض هذا القانون على سجلها الحضاري والحقوقي, ودول أخرى كثيرة اتخذت قوانين صارمة أخرى دون التأثير على سجل الحريات المدنية والخاصة. فوجود قوانين مجتمعية تحفظ للبلد ثقافتها الوطنية وهويتها ضرورة ولكن دون المبالغة فيها.
إننا لا نريد قوانين لمجرد وجود تلك القوانين أي دون القدرة على الزامها. فنحن نريد أن نكون بلدا سياحيا يقصده القريب والبعيد , بلد يستمتع فيه الجميع بطيب الاقامة وبالراحة والمتعة البريئة , خاصة وأن السياحة أصبحت ليست فقط مصدر دخل مهما ولكن مصدرا للتعريف بالبلد وثقافته وما يحمله من تراث بشري وحضاري.
ولكننا أيضا لا نريد أن نكون كسنغافورة في انفتاحها ولا كبانكوك في توفر السياحة الرخيصة فيها, ولا كهونج كونج في سهولة توفر الملذات السهلة على أرضها ,ولا كأوروبا في انفتاحها ولكن نريد أن تكون الإمارات أنموذجا للانفتاح المقنن , وللسياحة النظيفة بكل أنواعها: الثقافية والعلاجية والترفيهية.
وبالتالي فان فرض أي قانون يجب أن يتم بعد دراسة مستفيضة لتأثير ذلك القانون على البلد وعلى مردود السياحة فيه وعلى صورتنا في الخارج كبلد مضياف.
إن هدف أي بلد من الانفتاح والسياحة هو التعريف بالمنجز الحضاري وما تحقق من انجازات تنموية على مختلف الصعد , ولا شك بأن السياحة في بلدنا تقوم بدورها في التعريف ببلدنا على أكمل وجه. ولذا نتمنى أن لا يحصل ما يكدر صفو هذه المعادلة الحضارية.
ولكن نتمنى أنه إذا ما قررت الجهات الرسمية إصدار قانون للحشمة أن يتم ذلك بشكل مدروس وبشكل لا يسىء للبلد وسجلها الحضاري. فالسياحة والحفاظ على هوية البلد وجهان لعملة واحدة.