الآن وقد أصبح فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا مرة أخرى، نتيجة لانتخابات مزورة أخرى، ينبغي لنا أن نتوقع علاقات أكثر عدائية من أي وقت مضى مع موسكو.

فطر بوتين، وهو رجل مغرور ومبتذل، على احتقار الولايات المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، لم تعطه واشنطن سببا وجيها لتغيير رأيه.

وأحدث مثال على ذلك هو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما انتظر عدة أيام قبل أن يتصل ببوتين ليهنئه على فوزه في انتخابات الشهر الجاري، على الرغم من أنه تمكن من الاتصال بفرانسوا هولاند بعد ساعات قليلة من فوزه في انتخابات الرئاسة الفرنسية.

وإذا كنتم تريدون رؤية ما يخبئه بوتين للولايات المتحدة، فليس هناك من مثال أفضل من معاملة حكومته لمايكل ماكفول، وهو السفير الجديد القادم من واشنطن. فمنذ أن وصل ماكفول إلى موسكو في يناير الماضي، والحكومة الروسية، جنبا إلى جنب مع وسائل الإعلام المملوكة للدولة، تعامله وكأنه منبوذ مكروه، فتجادله وتضايقه، وتتنصت على مكالماته الهاتفية، وتقرأ رسائل بريده الإلكتروني، في الوقت الذي تتهمه بالتآمر مع شخصيات من المعارضة للإطاحة بالحكومة.

وقال ماكفول لطاقم تلفزيوني نصب له كميناً: «ألا تشعرون بالخجل من فعلكم هذا؟ إنه يتعارض مع اتفاقية جنيف». فما كان من وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلا أن وصفه بالــ «متعجرف».

والأمر الذي يجعل هذا التصرف يبدو غريبا للغاية، للوهلة الأولى على الأقل، هو أن ماكفول كان قد جاء مباشرة من مجلس الأمن القومي، الذي كان قد اتهمه بتوجيه ما يسمى بسياسة «إعادة الضبط»، وهي محاولة أوباما لتحسين العلاقات مع موسكو. وأمضى ماكفول، الحاصل على إجازة من جامعة ستانفورد، معظم أيام حياته في دراسة روسيا والكتابة عنها.

وهنا يأتي دور بوتين. وبطبيعة الحال، فإن الرئيس الروسي ولد وترعرع عملياً في جهاز الاستخبارات السوفييتي، المعروف باسم الـــ «كيه جي بي»، الذي كان السبب الأساسي لوجوده التجسس على العدو، أي الولايات المتحدة. لقد فاز بوتين في الانتخابات الرئاسية للمرة الأولى عام 2000.

وفي السنوات التي تلت فوزه، تمثلت أكبر نقاط صراعه مع الولايات المتحدة في اعتزام واشنطن بناء نظام دفاعي مضاد للصواريخ في أوروبا. وفي عام 2007، بعد ان وجه بوتين رسالة معادية لأميركا خلال كلمة ألقاها في ألمانيا، قدم وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عرضا استثنائيا.

حيث أخبر بوتين بأن روسيا تستطيع أن تمركز عددا من ضباط أركانها في تلك المرافق الدفاعية الصاروخية، للتأكد من أن الصواريخ لم تكن موجهة نحو روسيا. ولكن قبل أن يتمكن بوتين، الذي أصابته الدهشة، من التقاط أنفاسه، رفض البيت الأبيض اقتراح غيتس. ويبدو أن غيتس تكلم بما ليس مخولا له. وغضب بوتين من واشنطن مرة أخرى.

وبعد إمضائه فترتين رئاسيتين، منع بوتين، وفقا للقانون الروسي، من الترشح لفترة ثالثة. فعمل رئيسا للوزراء، ثم رشح نفسه للرئاسة مجددا في العام الجاري. وبوتين رجل ذكي. إذ كان يدرك أنه على الرغم من المظاهرات التي ملأت شوارع موسكو خلال آخر حملاته الانتخابية لغرض التنديد به.

فإن معظم الروس خارج تلك المدينة كانوا يكرهون أميركا بقدر ما يكرهها هو. فعمد إلى شن حملة خبيثة معادية لأميركا، محملاً واشنطن مسؤولية أعمال الشغب المعادية له، والتي كان يستطيع رؤيتها من نافذة مكتبه. وفي هذا العراك الصاخب، تدخل ماكفول. فقال قبيل مغادرته: «سوف يكون هذا ممتعا». ولكن قبل حتى أن يفتح حقائبه، هاجمه التلفزيون الحكومي لاجتماعه مع المنشقين.

واتهمته المحطة التلفزيونية بقولها: «إنه ليس اختصاصياً بشؤون روسيا. ولكنه متخصص بالشؤون الديمقراطية» يسعى إلى إشعال ثورة. وأكدت أن السفارة الأميركية كانت في الواقع تقدم المال للمتظاهرين.

وفي كل مكان تقريباً ذهب إليه ماكفول، كان طاقم تلفزيوني ما ينتظره ليسبب له المتاعب، مما دفعه إلى قول: «أتساءل من الذي يعطيهم مفكرتي. إنني أحترم حق الصحافيين في الذهاب إلى أي مكان وطرح أي سؤال، ولكن هل يحق لهم قراءة رسائلي الإلكترونية والتنصت على هاتفي؟».

ومنذ أن تولى بوتين مقاليد الحكم يوم 7 مايو، «تراجعت» الهجمات «المبالغ فيها وغير الدقيقة»، وفقا لما قاله ماكفول أخيرا. فهنالك أمور أخرى تشغل ذهن بوتين. وفي يوم التنصيب، تدفق المتظاهرون المناهضون لبوتين إلى الشوارع مرة أخرى، وألقت الشرطة القبض على كل شخص بدا وكأنه قد يبدأ بالتظاهر. لذا ففي الوقت الذي كان بوتين يحضر مراسم أداء اليمين في الكرملين، ويسير على السجاد الأحمر عبر أبواب مزينة بالذهب، كانت الشرطة في الشوارع تبعد مئات الناس، ضاربة بعضاً منهم بأعقاب البنادق.

وليس هناك شك كبير حول من أمر بهذه الحملة القمعية. ففي نهاية المطاف، بوتين هو الذي وصف المتظاهرين في يناير الماضي بـــ «القردة» التي تدفع لها واشنطن. وهو الذي سخر من الشرائط البيضاء التي كانوا يضعونها.

وبعيد أدائه اليمين الدستورية، أعلم الرئيس الروسي الجديد واشنطن بأن تغييرا قد طرأ في القمة. إذ أخبر أوباما بأنه لن يحضر قمة مجموعة الثمانية في كامب ديفيد، التي كان الهدف الرئيسي منها اجتماع أوباما وبوتين. لقد قال لأوباما: «آسف، كل ما في الأمر هو أنني مشغول للغاية».