للعام الثالث على التوالي والتجربة الوحدوية الأوروبية تعاني من صعوبات اقتصادية عاتية، يغلب عليها الطابع المالي والاستثماري. ولعل أحد أهم وأحدث تجليات هذه الوضعية، هو انسياب أزمات الديون والانكماش الاقتصادي من الدول المتعسرة كاليونان وإسبانيا، إلى الدول ذات الاقتصادات العفية كفرنسا وألمانيا.

ولأن كل جرعات الدعم الاتحادية، بما فيها المنح والهبات والتسهيلات والقروض الميسرة، قد فشلت حتى الآن في انتشال الأعضاء المتعسرين وتصحيح أوضاعهم، المالية خاصة، فقد بدأ بعض الموسرين، كألمانيا مثلا، في التذمر وإعلان الضجر إزاء هذه الشراكة الاتحادية التي تحملهم أعباء جبارة.

هذا المشهد المربك، دفع إلى إثارة تكهنات سلبية حول مستقبل أبعاد وجوانب حيوية من المسيرة الاتحادية الأوروبية، وفي طليعتها مدى قدرة آلية العملة الموحدة على الصمود والاستمرارية.. وبهذا الخصوص يمكن الاستشهاد بأقوال "أولي ريهن" المفوض الاتحادي للشؤون النقدية والمالية، الذي يرى أن "الأوروبيين يواجهون انهيارا بطيئا لمنطقة اليورو، ومن الضروري اتخاذ خطوات عاجلة وجريئة لحل أزمة الديون..".

القصد، أن أوروبا تعيش حالة من الهياج والغليان، التي بلغت درك تبادل القصف الكلامي والفقهي، حول صحة بعض القفزات الاتحادية، وما إن كانت الأشواق الوحدوية القارية ساقت المريدين إلى حرق المراحل. وفي هذا الإطار ثمة من ذهب بهم الغضب إلى حد التهكم الجارح تجاه الشركاء المأزومين.

ومن ذلك، أن مسؤولين ألمانا يعتقدون أنه ما كان لدول كاليونان وإسبانيا والبرتغال أن تنضم إلى منطقة اليورو، لضعف قدرتهم التنافسية اقتصاديا.. وأن مشكلات هذه الدول نابعة من داخلها، ولا ينبغي أن تقع توابعها وتبعاتها على الأطر الاتحادية.

ومع ذلك، نجادل بأن الأوروبيين قادرون على تجاوز هذه المحنة، وعدم الانتكاس أو التقهقر إلى الخلف.. بل وربما اتخذوا منها تكئة للمضي قدما إلى ما هو أكثر تطورا في نموذجهم الاتحادي. حجتنا في هذه القناعة، أنها ليست المرة الأولى التي يمتحن فيها هذا النموذج. ولمن لا يعلم، فان الخط البياني للنظام الإقليمي الأوروبي، لم يصعد خلال الستين عاما الماضية بشكل مستقيم خال من المنعطفات والانحدارات ولحظات التوجس.

لنتذكر بالخصوص كيف شككت قوى أوروبية كبرى في جدوى الفكرة الاتحادية القارية، عند بزوغها أول مرة غداة الحرب العالمية الثانية. بريطانيا، مثلا، امتنعت عن الالتحاق بالأطر الاتحادية المؤسسة، كمنظمة الفحم والصلب عام 1951، وعكفت على موقفها هذا، إلى أن عدلت عنه بعد أكثر من عقدين كاملين. وهي إلى يومنا لم تقتنع بآلية العملة الموحدة، وما زالت خارج منطقة اليورو.

ولنتذكر أن ارتقاء هذه الفكرة من طور منظمة تعاونية محدودة الاختصاص، إلى جماعة اقتصادية إقليمية أوسع، وصولا إلى ما يعرف الآن بالاتحاد الأوروبي، لم يؤد بالأوروبيين إلى الاصطفاف خلف سياسة خارجية واحدة، جرت الدعوة إليها منذ أربعين عاما..

حتى إن كاثرين آشتون ليست أكثر من مفوض اتحادي للسياسة الخارجية، ولا يسعها حمل صفة وزيرة خارجية أوروبا. ولنتذكر أن لكل دولة من أعضاء الاتحاد السبعة والعشرين، شخصيتها ومساقاتها وشؤونها وشجونها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية الوطنية، التي تعمل بمسافة أو أخرى عن الأطر الوحدوية الإقليمية.

فضيلة النموذج الاتحادي الأوروبي، أنه لم يتوقف كثيرا عند ما يفرق ويثير الفتن والخلافات، ووضع عينه وجل جهده على ما يجمع ويؤلف. وربما صح هنا الاعتقاد بأن الوحدويين الأوروبيين التزموا في نموذجهم، بنظرية "من كل حسب طاقته ورغبته ولكل حسب حاجته"..

وأغلب الظن أن هذا الالتزام هو الذي جعل أغنياء القارة يرتضون إلحاق الدول الأفقر نسبيا بقاطرتهم، رغم درايتهم بالتضحيات المطلوبة منهم. إن عاصفة الديون وأزمة العملة الموحدة وسواهما، ليست بدعا من اشكاليات أخرى تمكن الوحدويون الأوروبيون من عبورها بسلام. لقد اعتاد هؤلاء القوم على التشاكس والتنافس.

ولكن بمعزل عن نزق الشرود إلى العداوة المفتوحة. ومن المفارقات التي لا تخلو من دلالة، أن يكون أحد الحلول المتداولة أوروبيا لهزيمة الأزمات الراهنة، هو التعجيل بإنجاز "الولايات المتحدة الأوروبية" عوضا عن الصيغة الاتحادية القائمة، فيما يشبه الهروب إلى الأمام.. فلنتأمل عربيا ونتعظ.