منذ أن انطلقت الثورة السورية في مارس العام الماضي، طرحت شعاراُ صريحاً وواضحاً وعفوياً ومجمعاً عليه من السوريين يقول (واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد)، ورغم بساطة هذا الشعار وبعده عن التلاعب باللغة والألفاظ، أو الالتفاف على السياسات والمواقف، فإنه كان واضحاً وجامعاً وصادقاً ومعبراً عن حاجة الشعب السوري وتماسك نسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية.
ويعني هذا الشعار أن الانتفاضة السورية ترفض أي مرجعية غير مرجعية المواطنة، وتنأى بنفسها عن الخلافات الطائفية أو المذهبية أو القومية أو المناطقية أو غير ذلك، وقد انتقل هذا الشعار من مدينة درعا في جنوب سوريا، وهي التي أطلقت شرارة الانتفاضة إلى جميع المحافظات السورية انتقال النار في الهشيم، لأن الشعار كان يعبر بحق عن رأي الناس ورأي المنتفضين.
ويمثل الرؤية الحقيقية للانتفاضة تجاه وحدة الشعب بمختلف فئاته. ومن الغريب واللافت أن أولى تصريحات السلطة تجاه الانتفاضة في أسبوعها الأول وبلسان الناطقة السياسية باسم الرئاسة، كانت قولها، أنها انتفاضة تمرد مدعوم من الخارج، وتديرها عصابات مسلحة ومندسون وإرهابيون، وذات بعد طائفي، في الوقت الذي لم يكن أحد من المنتفضين يهتم بالبعد الطائفي للسوريين أو يسمع به أو يأخذه في اعتباره في انتفاضته ضد السلطة واستبدادها وانحرافاتها.
ويبدو أن السلطة في تصريحها هذا أرادت أن تحول الانتفاضة الشعبية إلى انتفاضة طائفية أو على الأقل أن تلبسها ثوباً طائفياً، مقابل إصرار المتظاهرين على وحدة الشعب السوري ورفض الطائفية، وقد استمر إصرار السلطة السياسية على تطييف الانتفاضة باستخدام كل السبل الطائفية المباشرة والوسائل الثقافية والإعلامية والممارسة الفعلية، وهذا ما لمسه الناس لمس اليد.
وكل ذلك لكي لا تعترف السلطة بوجود أزمة حقيقية داخل النظام وداخل المجتمع، أزمة حرية وديمقراطية وعدالة ومساواة فضلاً عن التساهل تجاه الفساد، وفضلت بدلاً عن ذلك أن تصبغ الانتفاضة بالصبغة الطائفية مسبقاً إضافة إلى الصفة الإرهابية، كي لا تغير هذه السلطة سلوكها ونشاطها وممارساتها التي لم يعد يقبلها الشعب السوري، وأخذ يطالب بتغييرها.
انتقلت معالجة الأزمة السورية بعد عدة أشهر من داخل سوريا إلى الأيادي الدولية، وتدخلت دول عربية وأجنبية ومنظمات دولية بهذه الأزمة، مباشرة أو مداورة، بسبب استمرار تعنت السلطة ورفضها الاعتراف بحقوق الشعب وعدالة مطالبه.
ومازالت القوى والمؤسسات الدولية تتدارس الأزمة السورية دون أن تهتم بآلام الشعب السوري وبرأيه، حتى كادت مهمة هذا الشعب تقتصر على مراقبة الآخرين خارج الحدود، ومتابعة إدارتهم للصراع وللأزمة وانتظار القرارات، والطريف أن من طالب بحل الأزمة داخل الحدود اتهم بالتخاذل والعمالة للنظام من جهات عديدة داخلية وخارجية.
من غرائب ما نلاحظ أن نظرة الدول الأخرى العربية والأجنبية للأزمة السورية لا تأخذ معيار المواطنة السورية باعتبارها، ولذلك، تحولت هذه بدورها إلى مواقف طائفية، وكأن الجميع يستكثرون على الشعب السوري تمسكه بمرجعية المواطنة، كعامل جامع لوحدته الوطنية، فالعراق يساعد السلطة السورية لأسباب طائفية صريحة وشبه مباشرة وغير معتمدة على أي أساس من المصالح أو مبرر أخلاقي أو غير ذلك.
ومثله تفعل إيران التي صرح مسؤولوها أنها على استعداد لاستخدام القوة العسكرية إذا هُدد النظام السوري من قبل شعبه بالسقوط . كما عبروا عن استعدادهم لإرسال مساعدات عسكرية وخبراء وغير ذلك.
ودائماً لأسباب طائفية. والأمر نفسه لدى أنصار سوريا في لبنان حيث تتلقى السلطة السورية منهم مساعدة سياسية ومعنوية ومادية وبشرية من فئات بعينها، حتى أن هذه الفئات ترفض تقديم مساعدات إنسانية للاجئين السوريين إلى لبنان، بما يخالف أية أيديولوجيا أو سياسة أو مذهب، كما يخالف ثقافة الشعب اللبناني وتقاليده التاريخية في تقديم المساعدات الإنسانية. وتناسوا أن السوريين احتضنوا مئات الألوف من اللاجئين اللبنانيين عام 2006.
في الوقت نفسه تتأثر معظم المواقف الدولية العربية والأجنبية بالمبررات الطائفية. بما في ذلك السياسة الروسية، التي لم تتعامل قط منذ مائة عام مع المسألة الطائفية، ولا تعرفها مبنى ومعنى، ولا تدرك كنهها وبنيتها، ومع ذلك صرح وزير خارجيتها لافروف أنها تخشى من قيام دولة سنية (متطرفة) على حدود بلاده، مما قد يؤثر على أوضاع مسلمي روسيا ومطامحهم. ورغم رفض الشعب السوري الاعتراف بالصراع الطائفي، فالجميع يستكثرون عليه تمسكه بمرجعية المواطنة، ويقدمون دعمهم حسب مرجعيات أخرى، على رأسها الطائفية.
وبدلاً من أن تُعتمد مرجعية المواطنة في المجتمع السوري ونظام الحكم السوري، وبالتالي يقام النظام الديمقراطي المنشود، تتأسس وتُدق أسافين عديدة بين أبناء الشعب السوري، ويجري تزييف ثورته وتحويلها إلى حرب أهلية.
وبالتالي إلى حرب طائفية، تعيد البلاد إلى القرون الوسطى. وهذا ما تسعى السلطة إلى تحقيقه مع الأسف، معتبرة أنه واحد من المخارج التي تساعدها على البقاء انطلاقاً من فرضية أن تفتيت الشعب يضعفه ويضعف انتفاضته ويعيد للسلطة قدرتها على القمع والاستبداد.
إن شأن من يحاول استغلال (الغرائز الطائفية) في المجتمع السوري وإحيائها، وجعلها بديلاً عن المواطنة بهدف ربح عاجل، أو تغيير موقف سياسي أو كسب العصبيات لدى الأقليات، كشأن من يحول الاستراتيجية إلى تكتيك، والثوابت إلى متحولات، ويلعب بالنار، ولا يشعر بأية مسؤولية تجاه حاضر الشعب ومستقبله، والمجتمع ووحدة نسيجه الاجتماعي، بل على العكس، يؤسس لتفتيت هذا المجتمع، وبذر بذور التفرقة، ووضعه على حافة الهاوية، (ولعل هذه من النتائج المباشرة للتطييف).