دخل مصطلح "اللعبة" القاموس السياسي العالمي بُعيد الحرب العالمية الثانية، بعد أن وضع عالم الرياضيات الأميركي، الهنغاري الأصل، جون فون نيومان (ت 1957) "نظرية الألعاب" منتصف أربعينات القرن المنصرم.
ومع أن هدف هذه النظرية اقتصر في البداية على وضع قواعد رياضية تعرف في لغة الرياضيات بـ"المصفوفات"، لما يدور في حلبة الصراع في ألعاب التسلية بين لاعبين اثنين (الشطرنج مثلا)، للمساعدة على الأخذ بأفضل الخيارات المتاحة للكسب أو التقليل من الخسارة، إلا أنها استخدمت فيما بعد في مجالات أخرى لمقاربة صراعات في حلبات أوسع مساحة وأشد تعقيدا، يشترك فيها عدد كبير من اللاعبين.
فنظرية الألعاب هذه قد أصبحت لا غنى عنها في البحوث العملياتية، لغرض اتخاذ قرارات استراتيجية تتعلق بنواحٍ عديدة، منها قضايا تتعلق بالمجتمع والاقتصاد والإدارة والسياسية وعلم النفس وعلوم الحياة، إضافة للعلوم العسكرية.
وحين دخلت هذه النظرية المجال السياسي، على المستوى الأكاديمي، ظهر مصطلح "اللعبة السياسية" ووضعت قواعد خاصة لهذه اللعبة، أصبح السياسي بموجبها يمارس مهامه من خلال احترامها والالتزام بها.
هذه القواعد تتعلق بطبيعة الصراع السياسي بين الأطراف المنخرطة في العملية السياسية، والأسس التي تتحكم في مُدخلات ومُخرجات هذا الصراع، وخصائص الساحة التي تجرى فيها اللعبة والتي يرسم أبعادها وملامحها الدستور المعمول به والقوانين المتفرعة عنه والتقاليد السائدة في البلد. وفي ضوء هذه القواعد يرسم كل طرف من أطراف الصراع إستراتيجيته، والخيارات الأكثر عملية لتحقيق أهدافه.
وتضاف إلى أطراف الصراع هذه، أطراف أخرى تشارك في اللعبة بطرائق مختلفة غير منظورة. فهناك قوى خارجية إقليمية ودولية لها تأثيرها، حسب الموقع الذي يشغله البلد قربا أو بعدا عن مشتركات الأسرة الدولية، وهنالك مراكز أبحاث متخصصة تقوم بإعداد دراسات لتقييم مسارات هذه اللعبة في مراحلها المختلفة، مما قد يلجأ بعض اللاعبين للاستعانة به في مراجعة مواقفهم.
ويمكن من حيث المبدأ، حين تكون اللعبة السياسية طبيعية، بمعنى أن استراتيجيات اللاعبين واضحة وممارساتهم لا تشوبها الريبة، أن يمارس طرف محايد هذا الشكل من الألعاب النظرية، وهو ما تفعله مراكز الدراسات الاستراتيجية، من أجل التنبؤ بمسارات العملية السياسية في هذا البلد أو ذاك.
نشأت الأزمة السياسية القائمة في العراق بسبب عدم استيعاب بعض اللاعبين الكبار لقواعد اللعبة، لحداثة الممارسات الديمقراطية من جهة، والرغبة في التمرد على قواعدها من جهة أخرى. فمع أن الطرف الأقوى في العملية السياسية هو الذي يفرض قواعد اللعبة عادة، إلا أن اللعبة السياسية في العراق قد صممت بطريقة لا تسمح للطرف القوي بالهيمنة على الساحة وفرض قواعده، لأن الدستور يعيق ذلك.
تواجه نظرية "اللعبة السياسية" بعض الصعوبات في الحالة العراقية، لأنها تفترض أن الأطراف المشاركة تتصرف بعقلانية، وأن مواقفها تخلو من التذبذب، وهذا ليس بالضرورة من المُسَلم به في العراق، وربما في غيره من البلدان غير العريقة في الممارسات الديمقراطية. ومما يزيد من الصعوبات أمام هذه النظرية، هو أن هذه اللعبة لم تبنَ في العراق على أسس الدستور وحده.
وإنما على التوافقات الهشة التي لا تخلو من ضربات كثيرة تحت الحزام، كما لا تخلو في بعض الأحيان من شذوذ عن بعض قواعدها، حين يدخل المال السياسي في المفاصل الحساسة منها، مثل الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية.
السياسي هو الشخص الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام، صورته الأكثر تداولاً فيها، والحديث عنه سلبا أو إيجاباً هو الأكثر على مستوى الداخل وفي المحافل الإقليمية والدولية. ولعله من هذه المنطلقات، هو الشخص الأقل حرية من غيره، والأكثر خضوعاً لقيود مهنته، والأكثر معاناة جراء ذلك.
حضوره اليومي ضروري، فسياساته الداخلية والخارجية على المحك، منافسوه وخصومه على استعداد وجهوزية للانقضاض عليه، تاريخه بكل حسناته وآثامه موضع اهتمام وتمحيص، سيرته قد يساء فهمها أو تصبح موضع توجس يستغله الآخرون.
والسياسي، سواء كان براغماتيا أو مبدئيا، بحاجة إلى كثرة من الأصدقاء وقلة من الأعداء، بحاجة إلى إتقان فن صناعة الأصدقاء. ولعل أكثر ما يهم السياسي الناجح، هو تجنب إغضاب الإعلام ووسائله وشخوصه. فالإعلام لاعب قوي لا يمكن التغاضي عن أهمية دوره في اللعبة السياسية، رغم أنه ليس طرفا في صياغة القرارات المنبثقة عنها.
فهو مراقب يتابع الأحداث ويحللها بطرائق شتى، وإن عجز عن الحصول على تفاصيل حدث معين أو بعض منه، يعمد إلى وسائل أخرى لسبر غوره عن طريق دراسة ما يبدو على وجوه السياسيين وحركاتهم من تعبيرات أثناء اللقاءات، فالإعلاميون يتقنون فن قراءة "الإيماءات الجسدية".
تعرض الإعلام ووسائله على مدى السنوات المنصرمة، إلى شتى أنواع المضايقات التي لم تكن التصفيات الجسدية بعيدة عنها، فقد سجل رقما قياسيا في عدد من فقده في العراق. وفي الوقت الذي يتحمل الإرهاب مسؤولية التصفيات الجسدية التي تعرض لها الإعلاميون، فإن الحكومة مسؤولة عن جل المضايقات الأخرى التي يتعرض لها الإعلاميون.
بعض هذه المضايقات هي ممارسات فردية عفوية، يلجأ إليها من ينشد رضى المسؤول، بسبب سيادة ثقافة الاستهانة بكبرياء وكرامة وحياة الإعلاميين، وبعضها الآخر، مع الأسف الشديد، ليس كذلك، بل بتخطيط مسبق وقرار من الحكومة نفسها. وكان آخر ما اتخذ من مضايقات في هذا الصدد، بأعذار واهية، هو قرار هيئة الاتصالات والإعلام بمنع 44 مؤسسة إعلامية، عراقية وأجنبية، من ممارسة نشاطاتها في جميع أنحاء العراق، ومن ضمن هذه المؤسسات قنوات فضائية ومحطات إذاعية معروفة.
كان السياسي في الماضي قادرا على تكميم الأفواه وإقامة العوائق الكثيرة أمام وسائل الإعلام، لمنعها من التوصل إلى بعض الحقائق التي يتكتم عليها. فقد كان على الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى أن تقوم بالكثير من المهام الشاقة والشائكة، قبل أن تتمكن من فضح حدث معين وإغراء الناس برمي البيض الفاسد على من صنعه.
لكن الأمر لم يعد كذلك، فقد أصبح على السياسي أن يستوعب سمات الحاضر، ففي عصرنا الحالي أصبح بمقدور أي شخص يمتلك جهاز كومبيوتر أو هاتفا محمولاً، أن يصبح إعلاميا قادرا على إيصال ما يريد إيصاله، بالصوت والصورة، إلى أي مكان من العالم في لحظات.