يراهن فرقاء النزاع في لبنان على تبدلات جذرية في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من صمود النظام السوري أو سقوطه. لذا يواجه اللبنانيون اليوم مجموعات مسلحة ذات ارتباطات إقليمية ودولية، ويسعى بعضها إلى تدمير المؤسسات اللبنانية على خلفية مواقف متشنجة لقوى سياسية لا تعترف أصلا بدولة لبنان.
وما لم تبادر السلطة المركزية إلى اتخاذ قرار حازم بتكليف الجيش والقوى الأمنية لردع جميع المخلين بأمن اللبنانيين وفي جميع مناطقهم، فإن أبعاداً مأساوية ستظهر حلقاتها تباعاً على الساحة اللبنانية، كالاغتيالات السياسية، والخطف، والتهجير الطائفي والمذهبي، وحروب الميليشيات المسلحة. إن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه ومؤسساته خط أحمر، ويجب أن تكون مصانة بالكامل. ولا بد من توافق الجميع، في صفوف الموالاة والمعارضة، على إدانة كل أشكال العنف ومحاسبة من يقوم به.
وذلك يتطلب فتح نافذة على المستقبل، لإنقاذ اللبنانيين من مخاطر انقسامات داخلية تفضي إلى حرب أهلية ذات طابع طائفي ومذهبي مدمر، تودي بحياة عشرات آلاف اللبنانيين، وتهجر جماعات بأكملها عن بيوتهم وأملاكهم.
المطلوب، إذاً، هو تبديد الاحتقان الداخلي بكل أشكاله، لأن النظام السياسي اللبناني ليس بمنأى عن تداعيات الوضع المتفجر في سوريا. ولا بد من حماية المدن والمراكز السكنية من العصابات المسلحة، التي تم إعدادها منذ فترة طويلة لتفجير الأوضاع الأمنية في لبنان.
والتزام الجميع بوقف العنف نهائيا، ومساعدة القوات الأمنية على تنفيذ مهماتها كاملة، عبر التواصل الإيجابي بين أطياف الموالاة والمعارضة في جميع المناطق والطوائف اللبنانية. ولا بد من تعاون عقلاء اللبنانيين على فتح قنوات جدية للحوار الإيجابي، وفرض ضغوط مكثفة على جميع أطراف النزاع، لحل المشكلات اللبنانية بالطرق السلمية، ورفض الاحتكام إلى الشارع تخوفا من فتن م
تنقلة يمكن أن تتحول إلى نزاع دموي بين الجيش اللبناني والمتظاهرين، من لبنانيين وفلسطينيين، ما يهدد أمن لبنان، وسيادته، واستقلاله.
غني عن التذكير أن لبنان بلد التعددية بامتياز. وتضم الدولة اللبنانية فسيفساء من الطوائف والقوميات، بلغت تسع عشرة طائفة دينية معترفاً بها رسمياً، وسبع قوميات عرقية. وهم يتكلمون لغات ولهجات متنوعة، ولديهم مدارس تعلم بلغات عدة، وجامعات خاصة ببعض الطوائف الكبرى. وليست هناك دولة كلبنان تضم مجتمعا مثاليا للعيش المشترك عرقيا ودينيا ولغويا، استقطب جماعات عربية وأجنبية عدة تعيش فيه بسلام في زمن السلم الأهلي.
وفي ظل أنظمة ديمقراطية سليمة، يمكن لتعددية الجماعات العرقية والدينية والثقافية أن تشكل عنصرا إيجابيا، يحمل الكثير من الغنى المادي والتنوع الثقافي. لكن التعددية شديدة الخطورة حين يتم استغلالها من جانب قوى خارجية، تستخدم جماعات محلية لتفجير لبنان من الداخل وتحويل السلم الأهلي إلى "حرب الآخرين على أرض لبنان"، وفق توصيف المفكر الراحل غسان تويني، ولأهداف ذات صلة بالمشروع الاستيطاني الصهيوني، ومعه مشروع الشرق الأوسط الكبير.
وسط هذه الفوضى العارمة التي تجتاح العالم العربي، كشف قادة إسرائيل مراراً عن مخطط جاهز لتدمير الجيش اللبناني، والمقاومة اللبنانية، والمؤسسات اللبنانية في آن واحد.
وهي حرب مفتوحة، تستخدم فيها جميع أنواع الأسلحة بصور مكثفة، لتدمير البنى التحتية في جميع المناطق اللبنانية، علماً بأن مخططات إسرائيل العسكرية هدفها ضمان مصلحة إسرائيل فقط، ولا تقيم وزنا للمشاعر الإنسانية، ولا للقمم العربية، الفرعية منها والشاملة، وتتجاهل كل ما يصدر عن جامعة الدول لعربية. وهي على قناعة تامة بأن القوات الدولية في جنوب لبنان للمراقبة فقط، ولن تطلق رصاصة واحدة ضد الجيش الإسرائيلي، ولن تحاول منعه من اجتياح للبنان.
لذلك اتخذت القيادة السياسية والعسكرية اللبنانية القرار السليم بمواجهة أي اعتداء إسرائيلي مهما كانت التضحيات، وتدرك جيدا أن اللبنانيين قادرون، بوحدتهم الوطنية وتماسكهم، على التصدي للعدوان الإسرائيلي المرتقب، والاستبسال في الدفاع عن أرض لبنان وسيادته. فقوة لبنان في وحدة شعبه، وفي عقيدة جيشه المقاوم لإسرائيل. أما الشرعية الدولية وقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، فمشلولة بالكامل بسبب الانحياز الأميركي التام إلى جانب إسرائيل.
إن هدف إسرائيل الثابت هو ضرب المقاومة اللبنانية، وفك ارتباطها بالجيش اللبناني، ونسف أسس الاستراتيجية الدفاعية الوطنية اللبنانية، التي تقوم على تحالف الشعب والجيش والمقاومة. وهي منظومة جديدة في تاريخ المقاومة العربية الفاعلة ضد إسرائيل، وضد السياسات الأميركية والأوروبية في الشرق الأوسط.
ومن أول واجبات لجنة الحوار الوطني، التي اجتمعت في مطلع يونيو 2012 واجتمعت مجددا في الخامس والعشرين منه، أن تعزز قوى المواجهة القائمة مع إسرائيل، وأن تتجاوز المماحكات الشكلية حول مفهوم المقاومة الوطنية، وأنواع سلاحها الفاعل، وضرورة الإجماع الوطني على الاستراتيجية الدفاعية، ووضع قرار السلم أو الحرب بيد الدولة اللبنانية، وغيرها. وعلى لجنة الحوار الوطني أن تتمسك باستراتيجية حماية المقاومة وليس التخلي عنها، وتطوير قدرات لبنان الدفاعية بالاستفادة من خبرات شعبه المقاوم.
إن الاستراتيجية الدفاعية الفاعلة ضرورة قصوى لحماية لبنان واستقراره، وهي تنبني أولاً على تعزيز المقاومة لحماية لبنان الوطن، بالتعاون بين الجيش اللبناني والشعب، وإبعاد المقاومة عن أي نزاع داخلي يمس العيش المشترك وأمن لبنان.
لقد اتخذت قيادة الجيش اللبناني قرار المواجهة مع إسرائيل ضد أي اعتداء على أي شبر من لبنان، وهي تنفذ بذلك قرارا سياسيا وطنيا بالدرجة الأولى. وعلى المقاومة اللبنانية أن تضع طاقاتها إلى جانب الجيش في معركة الدفاع عن لبنان، مما يؤسس لاستراتيجية دفاعية قادرة على حمايته.
وذلك يتطلب تأمين المصادر المالية الضرورية لتسليح الجيش اللبناني، لكي يضع حداً للتعديات الاسرائيلية المتمادية، وضمان أمن واستقرار جميع المناطق اللبنانية. فتكامل الجيش والشعب والمقاومة، يبني استراتيجية دفاعية صلبة تشكل ضمانة أكيدة لحماية اللبنانيين في جميع مناطقهم وطوائفهم.
ختاماً، من أول واجبات الحكومة اللبنانية أن تبادر فورا إلى اتخاذ تدابير صارمة لمنع الفتن المتنقلة، وحماية الاستقرار والسلم الأهلي في جميع المناطق اللبنانية، وأن تبحث عن صيغة وطنية جامعة لدعم المقاومة، وتنظيم تعاونها مع الجيش اللبناني.