للحكومات الألمانية، التي يقودها حاليا تحالف الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة أنغيلا ميركل، سوابق كثيرة في تسليح إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو بتمويل بعض الصفقات المستجلبة من طرف ثالث. ولأن إسرائيل دولة منتجة ومصدرة أصلا للأسلحة، فلا بد أن المداخلة الألمانية تحدث بالنسبة لأنواع السلاح التي يعجز مستوى التصنيع العسكري الإسرائيلي عن اجتراحها منفردا.

المعلومات الموصولة بهذا السيناريو، تتوفر لدى كثير من الدوائر المعنية برصد حركة التجارة الدولية للأسلحة. لكن الحكومات الألمانية المتعاقبة خلال العشرين عاما الماضية لزمت الصمت، ولا سيما في ما يخص دورها في تزويد إسرائيل بست غواصات من طراز دولفين فائقة التطور، والتي يمكن تجهيزها برؤوس نووية.

الشائع بهذا الخصوص، أن الصفقة أبرمت في العام 2005 إبان ولاية المستشار غيرهارد شرودر، وهذا صحيح.. أما غير المتداول، الذي خبأته حكومتا شرودر السابقة وميركل الحالية وأفصحت عنه أخيرا مجلة دير شبيغل، فهو شروط عقد هذه الصفقة.. وموجزها أن تبادر إسرائيل إلى وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وأن تتفاوض مع الطرف الفلسطيني بكل جدية، وألا تعرقل جهود ألمانيا لإنشاء محطة صرف صحي في غزة.. هذا علاوة على الالتزام بعدم تجهيز الغواصات بأية أسلحة إضافية غير تقليدية.

بفعل هذا الخبر الكاشف الجريء، اندلع تناظر واسع النطاق في الأروقة السياسية الألمانية، حول مدى صرامة حكومة ميركل في إلزام إسرائيل بهذه الشروط. وفي هذا السياق، تلاقت أحزاب المعارضة من اليساريين والخضر والاشتراكيين الديمقراطيين، على ما اعتبر استخفافا إسرائيليا بشروط الصفقة، كما اتفقت على أن هذا الموقف لم يواجه من حكومتهم بالحزم اللازم. ومضى المعارضون إلى مطالبة ميركل بتقديم إيضاحات حول الصفقة، ووقفها لعدم وفاء إسرائيل بوعودها.

وعلى الصعيد غير الحكومي، ذهب معلقون ألمان إلى أن بلدهم يتحمل مسؤولية مشتركة مع إسرائيل عن سباق السلاح النووي في "الشرق الأوسط".. وذلك على النقيض من السياسة الرسمية التي تدعو إلى إزالة جميع الأسلحة النووية وغير التقليدية.

في ردودهم على هؤلاء المعارضين المستنكرين، ظهر مسؤولو التحالف الحاكم وكأنهم ما زالوا أسرى للرواية الصهيونية الغربية، الموصولة بعقدة الذنب تجاه اليهود والصورة الدعائية الزائفة لإسرائيل. فيليب مسفيلدر المتحدث باسم التحالف، يرى أن بلاده محقة في مساعدة الصديق إسرائيل، بحسبها "جزءا من مجتمعنا القيمي، والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط؛ التي تقع تحت تهديدات خصومها العدوانيين..".

الحق أن هذا التعليل يبدو شديد الكلاسيكية والتقادم، بالنظر إلى الصورة الحقيقية لإسرائيل اليوم لدى عامة الأوروبيين بمن فيهم الألمان. فالاستطلاعات الحديثة بهذا الصدد (فبراير 2012)، تثبت أن 69% من الألمان يعتبرونها دولة سيئة تشكل خطرا على الأمن والسلم الدوليين، وينظرون إليها بعيون السلبية وعدم الرضى.. وعليه، لا ندري أي شرف يمكن للمتحدث الألماني أن يسبغه على بلاده، حين يزعم أن إسرائيل تتبنى القيم الألمانية أو تنتمي إليها؟

نود القول إن ثمة فجوة أو مسافة بين المقاربتين الرسمية والشعبية للعلاقة مع إسرائيل، غير أن نبأ هذه الفجوة، ولعلها الجفوة، لم يصل بعد إلى صناع السياسة والقرار في برلين.

مؤدى ذلك كله أن الأوساط السياسية والفكرية والإعلامية في ألمانيا، تشهد تدافعا قويا بين العاطفين على دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا سرا وعلانية وبلا حدود، وبين الراغبين في اشتقاق سنن وتقاليد جديدة، من شأنها وضع ضوابط وشروط للدعم والانحياز إلى هذه الدولة.

المثير للأسى والغضب، هو غياب المؤثر العربي عن هذا الجدل، الذي تتعلق نتائجه بمصالح عربية مؤكدة. نحن بصدد مشهد لا يصح معه لأدوات الفعل العربي في العلاقة مع ألمانيا، وبقية دول الاتحاد الأوروبي، أن تقف على الحياد أو في مقاعد المتفرجين.. أو لنقل إن العرب أمام لحظة مواتية للدخول على خطوط هذه الحالة الاستثنائية، وتوجيه رسائل بالقول والفعل حول الأضرار التي قد تلحق بالمصالح الألمانية، وربما الأوروبية أيضا، عربيا وشرق أوسطي، في حال مضت برلين إلى تعزيز الترسانة العسكرية الإسرائيلية بغواصات تساعدها على مزيد من الاستقواء ضد محيطها الإقليمي.

عيب كبير أن يدع العرب، على المستويين الوطني والقومي، أحزاب المعارضة وبقية القوى المنصفة في ألمانيا، ليخوضوا وحدهم معركة تخص الأمن العربي بأكثر مما تجرح الأمن الألماني أو تنتقص منه.