في لعبة الشطرنج التي يسميها البعض لعبة الأذكياء، يقال إنه بعد قيام كل لاعب بثلاث تحركات على الرقعة، يصبح هناك ثمانية ملايين موضع محتمل لقطع الشطرنج، كما يقال إن أطول مباراة شطرنج تستغرق نظريا 4949 نقلة، ومع ذلك فإن أطول مباراة مسجلة حتى الآن استغرقت 296 نقلة، وجرت في بلغراد بين أرسوفيك ونيكوليك، وانتهت بالتعادل.
يحدث هذا في لعبة الشطرنج التي تتحرك أحجارها على رقعة مكونة من 64 مربعا، فما الذي يحدث على أرض الربيع العربي، وكم هو عدد مربعات الرقعة التي يتحرك عليها اللاعبون من الراغبين في السلطة والساعين إليها والمتناحرين عليها، من مختلف الفئات، بعد ثمانية عشر شهرا من عمر هذا الربيع، كشف خلالها من كشف عن أوراقه ورقة بعد أخرى، واحتفظ خلالها من احتفظ بأوراقه ليكشف عنها في الوقت المناسب، واشترى خلالها من اشترى أوراقا ليلعب بها.
وكانت النتيجة سرقة الثورات واستنزافها، وبعثرة الأوراق واحتراق الكثير منها، والتقاء نظرية التاريخ مع نظرية المؤامرة لإجهاض الأحلام التي تفتحت مع زهور الربيع التي ذبلت قبل أوانها، وإعادة اللعبة إلى المربع الأول بعد أن اعتقد الجميع أنها قطعت شوطا كبيرا، وأصبحت على وشك الانتهاء؟
ضبابي وملتبس ومحير إلى حد بعيد. هكذا يبدو المشهد في بلدان الربيع العربي، بعد عام ونصف من بدايات ذلك الفصل الذي بدت نسماته لطيفة ومنعشة عند هبوبها، ثم تحولت إلى رياح عاتية في بعض الدول، وحرائق مدمرة في دول أخرى.
الذين يعتقدون أن ما جرى ويجري طبيعي ومتوقع في مرحلة التحولات الكبرى وما بعدها، ينطلق أغلبهم من نظرية مؤسس علم الاجتماع الشهير "عبد الرحمن بن خلدون"، التي تقوم على التشابه بين الماضي والحاضر، وترى أن المجتمعات البشرية تتشابه من بعض الوجوه.
وأن هذا التشابه يرجع إلى الوحدة الفعلية للجنس البشري، وميل الإنسان إلى التقليد الذي يتجلى في تقليد الناس لأصحاب السلطة، وتقليد أصحاب السلطة الجديدة لأصحاب السلطة السابقة، وتقليد المغلوبين أصحاب الدولة التي زالت وانتهت، لأصحاب الدولة الجديدة.
وهي نظرية قد لا تكون مطلقة، شأنها شأن أي نظرية أخرى، إذا ما أخضعناها لقانون التباين عند "ابن خلدون" نفسه، الذي يرى أن المجتمعات ليست متماثلة بصفة مطلقة، بل توجد بينها فروق يجب أن يلاحظها المؤرخ، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المؤرخين عدم إدراكهم لهذه الفروق، وفقا لما يقوله المؤرخ والفيلسوف العربي الذي ابتكر وصاغ فلسفة للتاريخ، هي دون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم، كما يقول البريطاني "أرنولد توينبي" أشهر مؤرخي القرن العشرين.
هذا ما يعتقده الذين يرون أن ما جرى ويجري طبيعي ومتوقع في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى، أما الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة فلهم رأي آخر، يقوم على أن كل ما نعيشه ونشاهده مرسوم ومدبر وفق سيناريو معد ومكتوب من قبل جهات خارجية ترصد الواقع وتقرؤه وتخطط لما بعده.
وهي نظرية لها مؤيدوها إذا ما أردنا اتباع المنهج العلمي الذي لا يستبعد أي فرضية مهما كان حجمها، ويعطيها حقها من الاهتمام والبحث، للوصول إلى الحقيقة التي لها وجوه كثيرة تتغير من مرحلة إلى أخرى.
فتوسع من دائرة الباحثين عنها، الذين كلما توصلوا إلى وجه من وجوهها اكتشفوا أنه ليس إلا قناعا يخفي خلفه وجها آخر، سرعان ما يتبين أنه هو الآخر قناع يخفي خلفه وجها جديدا، حتى إذا ما أعلنوا استسلامهم وعجزهم عن إدراك الحقيقة التي يبحثون عنها، أسفرت الحقيقة عن وجهها الحقيقي الذي ربما كان صادما.
الأذكياء فقط هم الذين يعرفون أصول اللعبة، فلا يندفعون منذ اللحظة الأولى مستنفدين كل طاقتهم. والأذكياء فقط هم الذين لا يدفعون بأوراقهم كلها منذ البداية، فيخسرونها أو يخسرون معظمها قبل الوصول إلى خط النهاية.
والأذكياء فقط هم الذين يستطيعون قراءة المشهد بشكل جيد، كي لا يقعوا في أخطاء جسيمة تجعلهم يخسرون المعركة قبل أن تبدأ أو بعد بدايتها بوقت قليل. والأذكياء فقط هم الذين يستفيدون من ركام أخطائهم ويضعونه تحت أقدامهم ليرفعوا من قاماتهم، كي يطلوا على المشهد من ارتفاع يسمح لهم برؤية مساحة أكبر من تلك التي كانوا يرونها وهم يندفعون غير مدركين لما يجري حولهم، أو يدبر لهم، أو ينصب لهم من فخاخ.
للأذكياء فقط، تبين أن الجنين الذي ولد بعد مخاض عسير استغرق عقودا من الزمن، ليس هو المولود الذي انتظروه طوال هذه العقود، وأن ثمة أيادي، بعضها ظاهر وبعضها خفي، قد أسهمت في تشويه هذا الجنين قبل أن يولد، وأجرت له عمليات جراحية غيرت ملامح وجهه تماما، وحولته إلى نسخة جديدة من وجوه قديمة مألوفة لدينا.
فهل كان الربيع العربي حلما عشناه طويلا، لنستفيق منه على حقيقة لم تتغير كثيرا؟
سؤال نطرحه على الأذكياء، والأذكياء فقط هم الوحيدون الذين يستطيعون الإجابة عليه، هذا إذا كان ما زال ثمة أذكياء، بعد كل هذا الغباء الذي أصبح يفرض علينا نفسه، ويحجب عنا الرؤية، ويسمم من حولنا الهواء!