هل هناك من مبرر لارتفاع وتيرة العنف ونسب الجريمة في مجتمعنا وبين شبابنا بالتحديد، أم أن الأمر لا يدعو لكل ذلك القلق ولا يربو عن كونه مجرد إفراز من إفرازات الحداثة الزائفة التي دخلت فيها كل مجتمعات الخليج؟
هل ارتفاع وتيرة العنف وتفنن أنواع الجريمة وأساليبها، هو ظاهرة جديدة تستحق الدراسة والتوقف عندها مليا لمعرفة الأسباب الكامنة وراءها، أم أن الأمر لا يدعو لكل هذا التوجس والرهبة؟ فوتيرة العنف لم تتغير ونسب الجريمة لم ترتفع،وإنما ارتفع مستوى وعينا الاجتماعي والحقوقي ومستوى وعي الإعلام وكشفه لتلك الظواهر.
ما نسمعه عبر وسائل الإعلام وبصورة يومية، يعطينا الانطباع بأن هناك ارتفاعا غير مبرر للعنف في مجتمعنا، وخاصة بين فئة الشباب، وتزايد لنسب الجريمة وتنوع أشكالها وانتشارها بنفس الوتيرة، وفي مختلف أنحاء الإمارات على حد سواء.
قتل واغتصاب وسرقة وجريمة منظمة، تجعلنا نشعر كأننا في مجتمع غير ذلك الذي تربينا فيه. هذا الارتفاع يجعلنا نتساءل؛ هل ما يحدث هو فعلا انتشار لظاهرة العنف والجريمة أم أن إعلامنا الآن أصبح أكثر وعيا وانفتاحا عن ذي قبل وأكثر إبرازا لقضايا المجتمع المحلي عن طريق تسليطه الضوء على ظواهر وسلبيات اجتماعية؟
هذا السؤال يقودنا إلى جملة أسئلة أخرى وهي؛ هل ما يحدث هو نتاج أمين لعملية الانتقال الحضاري السريع الذي مر به مجتمعنا؟ أم أن ما نشهده هو مجرد ظواهر دخيلة متفرقة لا تحتاج إلى كل هذا القلق، وإنما إلى دراسة علمية جادة للوقوف على أسبابها؟
هل ما نشهده هو واقع شريحة كبيرة من الشباب الذي يعاني من أزمة هوية وانتماء وفقدان للقيم الاجتماعية، أم أن ما يحدث هو نتاج خلل مجتمعي قديم عجزت أنظمة التربية والتعليم عندنا منذ السبعينات عن إصلاحه؟
هل ما يحدث عندنا من عنف وجريمة مشتق من مؤثرات خارجية كالانفتاح والإعلام الحديث والإنترنت ووسائل الاتصال والتواصل الجديدة، أي أنه تقليد لجرائم مستوردة كتلك الجرائم السائدة في جميع مجتمعات العالم الحديثة والمتطورة، أم أن له وضعا خاصا بمجتمعنا الذي انتقل فجأة من المحل إلى الغنى تاركا بصمة قوية على قيم المجتمع وعلى الشباب بالتحديد الذين كانوا أول ضحاياه؟
هل بالضرورة أن يكون مجتمعنا، بحكم قيم الإسلام التي تحكمه والتلاحم الاجتماعي الذي يتميز به، مجتمعا مغايرا للمجتمعات الغربية التي تكثر فيها مثل هذه الممارسات؟ أم أن مجتمعنا بحكم العولمة والانفتاح هو الآخر نموذج من نماذج المجتمعات الحديثة وما تحفل به من قيم مشابهة لقيم المجتمعات العالمية كافة؟
هذه مجرد أسئلة وقد لا نجد لها جميعها إجابات شافية وكافية، ولكنها بالتأكيد أسئلة بديهية تمر في أذهاننا جميعا، ونحن نطالع وسائل الإعلام اليومية وما تحفل به من جرائم مثيرة وممارسات غير أخلاقية غريبة وعادات دخلت مجتمعنا لتقلبه رأسا على عقب.
وسائل إعلامنا تحمل لنا في كل يوم خبرا جديدا عن جريمة تفنن مرتكبها في التخطيط لها وفي تنفيذها، دون أن يرف له جفن أو يحفل بقيم المجتمع التي تربى عليها منذ الصغر. مرتكبو تلك الجرائم غالبا ما يكونون من الشباب الذين تربوا في مجتمع الطفرة، والمفترض أنهم تلقوا كل عناية من أولياء أمورهم ومن المؤسسات التربوية والتعليمية التي كانوا فيها، ونالوا من التوعية الدينية الشيء الكثير.
ولكن النتيجة تثير الهواجس، بل والريبة أحيانا كثيرة في قدرتنا على الضبط والربط. فغالبا ما يكون مرتكب الجريمة شابا في مقتبل العمر، ضرب عرض الحائط بكل قيم المجتمع وتقاليده ودينه، وعرض نفسه والمجتمع بأسره لخطر داهم، والسؤال هو: لماذا؟
مرتكب الجريمة غالبا ما يجد ما يبرر جريمته، بل ويجد من يفعل له ذلك، فالمؤثرات الخارجية كالتعاطي أو الإدمان أو الفقر والحاجة والتفكك الأسري، غالبا ما تكون السبب الذي يبديه الجاني. من ناحية أخرى، هناك من يبرر له فعلته بأن الجاني هو ضحية في المقام الأول، فهو ضحية ظروفه الاجتماعية، وضحية الخلل القيمي الكبير الذي يعيشه المجتمع بأسره.
وضحية ظروف اقتصادية قسرية أجبرته على ارتكاب ذلك العمل، وضحية مجتمع منفتح وإعلام غير مقنن. والتبرير لا ينتهي هنا، بل يتعداه إلى قضية أكبر؛ فيوصف الجاني بأنه ضحية تلك البيئة غير الصالحة، التي أنتجت مثل هذه النوعية من الأفراد وهيأت لهم كل الظروف والسبل، بل وسهلت لهم نفسيا أمر تقبل ارتكاب ذلك الفعل. بل إن هناك من يبرر ارتفاع نسب العنف وتزايد وتيرة الجريمة، بقوله إنها ظاهرة متسقة مع التطورات الحاصلة والمتلاحقة التي يشهدها مجتمعنا.
وبأن هؤلاء الجناة هم أنفسهم ضحايا ذلك الانتقال المفاجئ من التقليدية إلى المعاصرة التي أفرزت العديد من الظواهر الاجتماعية الشائكة والمقلقة. وهناك من يذهب بعيدا في التحليل وفي التشاؤم، فيقول بأن ما حدث هو اختلال قيمي واضح لمجتمع بأكمله فقد هويته وتماسكه الاجتماعي إبان الطفرة، وأنه لا مناص من تحمل وتقبل هذه الإفرازات السلبية. ليس هذا فحسب، بل وعلينا تقبل ارتفاع نسب العنف والجريمة في المستقبل، والتي عادة ما تصبح نسبا موازية لنسب العملية التنموية.
هذه الآراء، سواء كانت واقعية أم لا، هي مؤشر كبير وخطير على تنامي قضايا العصر المقلقة، والتي علينا مواجهتها بحسم وموضوعية. وهي أيضا تقدم لنا دليلا قويا على حيوية المجتمع وتجاوبه الإيجابي مع القضايا الحساسة التي تموج في جنباته، والتي تتطلب معرفة الأسباب للوصول إلى الحلول. ومن ناحية أخرى، تقدم لنا دليلا قويا على استعداد المجتمع الفطري لمعرفة أخطائه وتقبل النقد، والسعي نحو التقويم وإيجاد الحلول المناسبة لقضاياه الشائكة. فإيجاد الحلول المناسبة لقضايا العصر، أمر يتطلب منا بلا شك تضافر الجهود الرسمية والشعبية، لأن مثل تلك الحلول لا تصبح نافذة ما لم يكن الجميع متفقا على أمرها.