الإدمان هو إصرار الفرد على القيام بسلوك معين بشكل مستمر ومتزايد، وفي حالة التوقف عنه تحدث حالة من الاضطراب النفسي والجسدي لا تستقر إلا بعد المعاودة... والحق أن للإدمان أشكالا متعددة، منها ما هو متعارف عليه من تعاطي المخدرات والمسكرات، مما جعلنا ننتبه إليه، ونتصدى له حكومة وشعوبا، وأعددنا له العدة من قوانين صارمة تجرّمه، وعقوبات رادعة لمن يقدم عليه، ومنظومة قيمية تلفظ وترفض هذا المسلك، وتجعل صاحبه غير مرغوب فيه اجتماعيا، أو تعتبره خارجا على ناموس الجماعة المجتمعية، فضلا عن هيئات ومؤسسات مدنية ودينية تقوم بدور لا بأس به في التوعية بخطورته على الفرد والمجتمع.

إلا أن هناك أنواعا وحالات أخرى من الإدمان لم ننتبه إليها بشكل كاف؛ لأنها تمر بنعومة شديدة وبخفة كخفة النملة السوداء التي تسير على الصخرة الصماء في الليلة حالكة السواد، بل إننا نكون داعمين ومساندين ومشجعين عليها. والخطورة أن هذا النوع من الإدمان غير مجرّم قانونا، ومن الصعوبة إصدار تشريعات تحد منه أو تواجهه. ورغم أن صاحبه مريض بشكل حقيقي، إلا أنه من غير المحتمل أن يذهب إلى طبيب ليعالجه من مرضه؛ لأنه غير مقتنع بمرضه أو شاعر بآلام تدفعه إلى طلب الدواء.

الأمر الثاني الذي يزيد من خطورة هذا النوع من الإدمان، أنه يمارس منذ الصغر، ويكون تأثيره أكبر وأشد على النفس، كما أنه يصبح جزءا من السلوك الذي يصاحب الفرد طول حياته، حتى وإن اختلفت الأشكال والأدوات.

أقول هذا بعد تلك الحالة التي غرق فيها أبناؤنا في غياهب هذا السيل المنهمر من الألعاب الالكترونية التي شكلت طقوس حياتهم اليومية، بدءًا من الاستيقاظ حتى الخلود إلى النوم؛ يظل الطفل منكبا على ممارستها لساعات طويلة، شارد الذهن مشدوها إلى ألعاب قد تحوي كثيرا من المقاطع التي تصيبه بحالة من الخوف والرعب، في ظل غياب رقابة أولياء الأمور الذين يبالغون في إحضار هذه النوعية من الألعاب لأبنائهم، رغبة منهم في شغل وقت فراغهم وحسب، حتى حين الذهاب إلى التنزه تجدهم حين يجدون تلك الألعاب كالسهام التي وجدت ضالتها، غير ناظرين إلى غيرها من التي تتطلب بذل جهد بدني.

القضية لا تتوقف وحسب عند الآثار السلبية الناتجة عن التعود على مثل هذا النمط من الألعاب، ولكن مضمون هذه الألعاب أيضا يتطلب التوقف؛ فبعضها فيه مشاهد تخدش الحياء، كما أن الكثير منها يعطي الأطفال دروسا في تعلم العنف والقتل حتى يعتاد عليه ويألفه ويسعد بذلك، خاصة وأنه كلما ازداد عدد الذين يقتلهم، زادت نقاطه التي يكسبها أو البطاقات التي يحصل عليها كمكافأة.

ولا شك أن العنف من أكثر الموضوعات تأثيرا في الأطفال؛ إذ تنجم عنه معاناة نفسية كبيرة، فضلا عن الميل إلى التعصب واللامبالاة العاطفية، حيث إن تكراره يقلل ـ بمرور الوقت ـ من حدوث اكتراث لدى الطفل بما يحدث من وقائع قاسية في حياته اليومية، ويصاب بالتبلد تجاهها مهما كانت.

لذا فإن الجرائم العنيفة التي وقعت في المدارس في الغرب، وارتكبها صغار السن الذين حملوا أسلحة، وقتلوا بها زملاءهم في الصف المدرسي عشوائيا ومن دون سبب أو سابق عداء، لم تكن دوافعها بعيدة عن تقمص شخصيات انبهروا بها في تللك الألعاب، وتلك مشكلة أخرى؛ فالانبهار بالغير ـ وخاصة لدى الأطفال ـ من الممكن أن يكون مدعاة إلى التقليد والتكاسل وعدم الدافعية.

كما أن العديد من تلك الألعاب يحوي مشاهد غاية في القسوة، وهناك ألعاب لكي تصل الشخصية الرئيسية فيها إلى هدفها، عليها استخدام كافة الوسائل من قتل وسلب لممتلكات الغير، وكأنها تعلم أبناءنا أن "الغاية تبرر الوسيلة"، والبقاء للأقوى وليس للأصلح، وأن يعتادوا ذلك في مسلكهم في كافة القضايا التي تقابلهم، باستخدام منطق القوة لا قوة المنطق. وإذا قال البعض إن الحديث عن التفكير المنطقي مبكر على مرحلة الطفولة، أقول إن الطفل يختزل كل هذه المشاهدات العنيفة في ذاكرة الصورة لديه، وتصاحبه ويستدعيها في كبره.

فضلا على ذلك، فإن هذه الألعاب تضعف مهارات الاتصال لدى الأطفال التي تحتاج إلى القدرة اللغوية، وإحدى أدواتها القراءة والكتابة، كما تجعل الطفل يعيش واقعا افتراضيا منعزلا عن الواقع الحقيقي، ويتنافس في واقع افتراضي ضد شخصيات الكترونية، مما يكرس لديه العزلة والاستغناء عن الآخر.. فكم كوَّنا في صغرنا صداقات عبر الألعاب التي كنا نمارسها وما زالت حتى الآن، أما تلك الألعاب فإنها تقدم لهم شخصيات بديلة خيالية، لها قانون تحكمه طبيعة الألعاب التكنولوجية التي لا تصلح لتطبيقها على الواقع، والنتيجة الحتمية لذلك أنها تكون شخصية غير متوازنة عنيفة متبلدة ذهنيا، فضلا عن التشوه في بنية الجسد الذي لم يمارس لعبة رياضية أو يتنافس إلا عبر الألعاب التكنولوجية وحسب، وهو جالس في مقعده لم يبرحه.

ولا يخفى على أحد أن الاستغراق في ممارسة تلك الألعاب، يعيق أبناءنا عن التحصيل الدراسي، بعد أن أصبحت شريكا غالبا في اغتنام معظم أوقاتهم.

وإذا كان الطفل ـ لا محالة ـ يحرص على تلك الألعاب، فإنني أتساءل؛ أين دور مبدعينا في المشاركة في تصميم ألعاب يقبل عليها أولادنا، بدلا من تركهم لمضمون يحمل بين طياته قيما تمثل خطرا داهما، فضلا عن استخدام كلمات خارجة عن قيمنا وأخلاقنا.

إن الوعي الأسري للطفولة مطلب أساسي للتعامل مع تلك المرحلة المهمة؛ فهي من أجمل المراحل التي يمر بها الإنسان وأهمها، حيث صفاء الذهن القابل للتعلم قبل أن تشغله الحياة بمتاعبها. لذا أقول ونحن مقبلون على الإجازة الصيفية التي تترك فيها الأسر أولادها فريسة لهذه الأشكال من الأدوات، إن علينا أن نعيد صياغة يوم أولادنا؛ بحيث تتشكل شخصيتهم بصورة متوازنة بين ممارسة الرياضة وقسط من القراءة، وأن نتحمل نحن مسؤوليتنا كآباء وأمهات؛ في أن يعود الحوار بيننا وبين أبنائنا، ونطرح البدائل التي يستطيعون من خلالها تفريغ طاقاتهم بشكل سليم ومفيد.. ولا ضير من ممارسة بعض الألعاب الالكترونية ولكن بقدر، بدلا من أن نتركهم يغرقون فيها إلى حد الإدمان.