في الأول من مايو المنصرم، وصل مؤشر داو جونز الصناعي إلى أعلى مستوى له منذ ديسمبر 2007. إلا أن تقرير الوظائف لشهر إبريل الماضي شكل خيبة أمل، إذ لم يتم إيجاد سوى 115 ألف وظيفة جديدة، والمطلوب هو ما لا يقل عن 125 ألف وظيفة جديدة كل شهر، لمواكبة نمو عدد الأميركيين في سن العمل. ما الذي يحدث؟
ترتفع الأسهم نتيجة لارتفاع أرباح الشركات، وترتفع الأرباح بصورة أساسية، لأن الشركات توصلت إلى وسيلة لتحقيق الأرباح بعدد أقل من الموظفين. وأحد أبرز موروثات الكساد الكبير، هو تراجع التوظيف بدوام كامل، نتيجة لاستعانة الشركات بالبرمجيات أو تصديرها للوظائف إلى الخارج (بفضل الإنترنت، التي تجعل تصدير الوظائف إلى الخارج أكثر كفاءة من أي وقت مضى)، أو تحويلها موظفيها إلى موظفي عقود، يرتبطون بها أيضا عبر الإنترنت والبرمجيات.
هذا هو السبب في أن معظم المكاسب المتأتية من الثورة الانتاجية، تذهب إلى أصحاب رؤوس الأموال. أما العمال العاديون فهم عاطلون عن العمل إما كليا أو جزئيا، أو يحصلون على أجور ومزايا تتناقص قيمتها الحقيقية باستمرار. والنسبة التي تحصدها رؤوس الأموال، بدلا من العمل، من إجمالي الدخل، هي الأعلى منذ عشرينات القرن الماضي.
وعلى نحو متزايد، يصبح العالم ملكا لأولئك الذين يجنون مكاسب رأس المال. فهم الذين طالبوا بتخفيضات ضريبية ضخمة في عامي 2001 و2003 وحصلوا عليها، على أساس الوعود الكاذبة بأن المكاسب سوف "تنساب" إلى الجميع في هيئة فرص عمل أكثر وأجور أعلى.
وهم يناصرون الآن اقتصادات التقشف، على أساس الفرضية الزائفة القائلة إن تخفيض الإنفاق العام، حتى على التعليم والبنية التحتية وشبكات السلامة، سوف يولد قدرا أكبر من "الثقة" و"اليقين" بين المقرضين والمستثمرين، ويؤدي أيضا إلى فرص عمل أكثر وأجور أعلى.
ولا شيء من ذلك مستدام، سواء اقتصاديا أو اجتماعيا. فهو غير مستدام اقتصاديا لأنه عند ذهاب معظم المكاسب المتأتية من نمو الإنتاجية إلى الأميركيين في القمة، فإن ذلك يعني افتقار الطبقة المتوسطة الواسعة للقدرة الشرائية اللازمة لشراء السلع والخدمات، التي يمكن لاقتصاد أكثر إنتاجية من أي وقت مضى أن ينتجها. والنتيجة هي عدم كفاية الطلب على السلع والخدمات، وهذا يعني نموا ضعيفا تتخلله فترات من الركود الاقتصادي. وهو غير مستدام اجتماعيا، لأن ارتفاع معدلات البطالة واتساع الفجوة الاقتصادية، يفضيان إلى إحباط متزايد إزاء عدم قدرة معظم الأميركيين على المضي قدما.
وها هي اقتصادات التقشف في أوروبا تصب الزيت على النار، فيما يتم خفض الميزانيات العامة على أساس اختبار وهمي للمسؤولية المالية.
وفي الولايات المتحدة، يحدث ضعف الانتعاش وهبوط أسعار المساكن ضررا كبيرا. ويعتقد عدد كبير من الأميركيين أن اللعبة مزورة، وهم لم يعودوا يثقون بأن مؤسسات المجتمع الرئيسية، سواء الشركات التجارية الكبرى أو وول ستريت أو الحكومة، تقف في صفهم.
وفي أوروبا وأميركا، يعاني ما يتراوح بين 30% و50% من خريجي الجامعات الجدد، من البطالة الكلية أو الجزئية.
وتتسع الفجوة الاقتصادية في الصين أيضا، حيث تمثل الفضيحة المحيطة ببو زيلاي وعائلته، حكاية أخلاقية علنية عن الثروة الطائلة والفساد الرسمي. ويتمرد الطلاب في تشيلي على ارتفاع الرسوم الدراسية وغيرها من المظالم الاجتماعية التي يعانون منها.
إنها خلطة قابلة للاحتراق أينما وجدت؛ فزيادة الإنتاجية، واتساع الفجوة الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، تفضي إلى مجتمعات قابلة للانفجار.
ويقول لنا التاريخ إن الغضب والإحباط الشعبيين، يمكن أن يندلعا بطريقتين مختلفتين تماما. إحداهما بالاتجاه إلى إصلاحات توزع مكاسب الإنتاجية على نطاق أوسع، والأخرى بالاتجاه إلى الديماغوجيين الذين يؤلبون الناس بعضهم على البعض الآخر.
ويستخدم الديماغوجيون الخوف والإحباط لدفع أنفسهم وبرامجهم السياسية الضيقة، واضعين اللوم على المهاجرين والأجانب والأقليات العرقية والنقابات العمالية وموظفي الحكومة والفقراء والأغنياء و"الأعداء في الداخل"، مثل الشيوعيين والإرهابيين وغيرهم من المتآمرين.
احذروا، فالديماغوجيون انطلقوا متحررين من كل عقال بالفعل. ففي أوروبا، تحرز الأحزاب المتطرفة على اليمين واليسار تقدما ملحوظا. وفي أميركا، أصبحت السياسة لاذعة ومستقطبة بشكل خاص (إذ عاد اليمين إلى اتهام الأشخاص الذين لا يروقون له بالشيوعية). ولا أحد يعلم إلى أين تتجه الصين، ولكن المصلحين والديماغوجيين يخوضون بعض معاركهم على رؤوس الأشهاد.
ولا يتمثل الاقتصاد الحقيقي في سوق الأسهم، وإنما في الوظائف والأجور، ومستوى معيشة الغالبية من الناس. وما لم يتم تقاسم المكاسب الناجمة عن الثورة الإنتاجية على نطاق أوسع، فإن مجتمعات العالم القابلة للانفجار ستشتعل انقساماً.