«علمني والدي كيف أمشي مرفوع الرأس، وعلمني كيف أحترم نفسي لكي يحترمني الناس، وعلمني أن الفقر ليس عيباً ولا عبئاً طالما عرفت كيف أتعايش معه، وعلمني أن الغنى ليس في المال ولا الثروة، ولكن في الإخلاص في العمل، وفي الضمير المستيقظ والأخلاق العالية والتحلي بروح المسؤولية، وعلمني أن السعادة ليست في الزمان ولا في المكان.

ولكن في إسعاد من حولي عن طريق التفاني في العمل، وفي إتقانه حتى يصبح مفيداً للبشرية جمعاء، وعلمني أن دماثة الخلق والتواضع ليس ضعفاً، بل قوة أستمد منها طاقة تعينني في عملي، وتفتح لي جميع الأبواب المغلقة.

وعلمني أنه مهما لاقيت من غدر وإساءة فلا أقابل الإساءة بمثلها، بل أقابلها بالإحسان وعمل المزيد من الخير لمنفعة أهلي ومجتمعي، وعلمني أن النقد لا يعني الخطأ، بل في الكثير من الأحيان يعنى النجاح، وأنه لا تُرمي إلا الشجرة المثمرة المنتجة، وعلمني أن القيادة والرؤية المستقبلية ليست موهبة فقط، بل هي مزيج من التخطيط والميزات الشخصية التي يجب أن أستغلها جيداً وأوظفها لمصلحة مجتمعي.

تعلمت من أبي الكثير من القيم الإيجابية التي جعلت مني اليوم ما أنا عليه. أمي هي الأخرى مدرسة انتهلت منها الكثير من القيم الإيجابية التي أهلتني اليوم لأكون أنموذجاً يرنو له الآخرون. فقد رضعت مع حليبها كل القيم التي جعلت منى اليوم قائداً ورمزاً ملهماً لغيرى من الناس، كما جعلت منى شخصية استثنائية وناجحة وقادرة على خدمة مجتمعها، وتحويله إلى مجتمع استثنائي ومميز».

هذه مقولات الكثير من عظماء عصرنا الذين تحققت على أيديهم معجزات بشرية نهضت بمجتمعاتهم عالياً، وجعلت منها أنموذجاً يحتذى به بين الأمم، وهي مقولة الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا، الذى حول البرازيل من دولة ضعيفة اقتصادياً إلى معجزة أميركا اللاتينية، ومقولة رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد صاحب معجزة ماليزيا.

والذى حولها في غضون عقدين إلى معجزة جنوب شرق آسيا، ومقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الذى حول دبي إلى معجزة الشرق الأوسط يتحدث عنها القاصي والداني. هكذا يبدو تأثير الوالدين في الأبناء في الصغر، ويظهر تأثيره في الكبر، فالنشأة الأولى هي مصنع العظماء، وهي أيضاً مصنع الفاشلين والخاسرين.

كثير من الآباء والأمهات يهملون تأثير النشأة الأولى في الأبناء، ويظنون أنهم بتوفير المال والرفاهية ومتطلبات الحياة المرفهة لهم فإنهم بذلك قد أدوا دورهم وجلبوا السعادة لأبنائهم. كثيرون يعتقدون أن المال وحده قادر على حل كافة المشاكل، وقادر على صنع المعجزات، وأنه قادر على أن يحل محل الأبويين في حال غيابهم الطويل عن المنزل وعن رعاية الأبناء.

كثيرون يعتقدون أن إغراق أبنائهم في الدلال وفي الترف يوفر للأبناء متعة الرفاهية التي حرموا هم منها، وبالتالى يصبحوا هم أباء مثاليين، ويصبح الأبناء أبناء مميزين. هذا هو الخطأ الكبير الذى يقع فيه الكثير من الآباء والأمهات.

فالكثير من الآباء يهملون تأثير النشأة الأولى في قادة الغد، ويهملون متابعة الأبناء ورعايتهم وتقويمهم، وأحياناً كثيرة يعهدون بهذا المهمة الصعبة للمربيات والخدم والتلفزيون والإنترنت وغيرها من الوسائل لكي تقوم بعملية التربية والتقويم عوضاً عنهم. وهنا تحدث الكارثة. فلا شيء يعوض عن الأبوين في زرع بذور الثقة في النفس، والولاء للوطن، وتعهد بذرة النبوغ، وغيرها من القيم الإيجابية.

ولكن هذا لا يعنى أن وجود الأبوين حول الطفل على الدوام يخلق منه شيئاً مميزاً. فوجود الأبوين دون أن يتابعوا بأنفسهم تربية الأبناء وزرع البذرة الأخلاقية في نفوسهم وبث القيم الإيجابية التي تؤهلهم بعد ذلك لخدمة مجتمعهم ومحيطهم، وتخلق منهم مواطنين صالحين، لن ينتج عنه شيء.

فمعظم العظماء والقادة الموهوبين نهلوا البذرة الأخلاقية الأولى من أيدي والديهما اللذين بصورة أو بأخرى استطاعا أن يتعهدا في أطفالهم بذرة التفوق والنبوغ، ويعلموهم كيفية توظيف تلك القدرات والمهارات التي يمتلكونها لخدمة محيطهم.

أخلاق العظماء، عادة ما تكون هي المفتاح الذى يفتح لهم الأبواب الموصدة، ويمدهم بطاقة متجددة لخدمة مجتمعهم الكبير والصغير، بل وتمنعهم من ارتكاب الخطأ أو الوقوع فيه.

فتلك الأخلاق تحصنهم من الزلل، وتجعل من أنفسهم عفيفة وشريفة، فلا تمتد للمال العام، ولا تؤسس لمصالح شخصية. تلك الأخلاق تعصمهم من استغلال مراكزهم لتحقيق مصالح خاصة، أو توظيف المال العام إلا لمصلحة عامة، إنها شخصيات تخطط للغد بنظرة متأنية آخذة في الحسبان المصلحة العامة قبل الخاصة، والمصلحة المشتركة قبل الضيقة.

العظماء يظلون على الدوام يتذكرون حقائق مهمة، منها أنهم مؤتمنين على مصائر شعب، وعلى مال عام، وعلى مستقبل أمة وسمعتها بين الأمم. العظماء يظلون يتذكرون أنهم محاسبين في نهاية المطاف، ليس بواسطة التاريخ الذى هو أمين وحريص على محاسبة كل من يسيء استغلال مركزه، أو يسترزق من وراء وظيفته أو مكانته، ولكن الأهم من ذلك أنهم محاسبون من قبل ضمائرهم الحية التي لا تنام حتى تضع كل قرش في محله، وكل خطة في مسارها الصحيح. تلك هي أخلاق العظماء والقادة الخالدين.

تربية وإعداد جيل قادة الغد ليس بالمسؤولية البسيطة حتى يعهد بها الأبوان للآخرين، ولكنها مسؤولية جسيمة وواجب ديني، حضنا الخالق عز وجل عليه. ولذا فإننا إزاء هذه المسؤولية، وهذا الواجب، علينا مراعاة الله في أولادنا، وتعهدهم بالتربية الصحيحة والسليمة التي تجعل منهم مواطنين صالحين، وقادة مميزين، وأشخاصاً متحلين بالأخلاق العالية وروح المسؤولية.

فكم من قائد وصل إلى سدة الحكم ثم تركه دون أن يترك أثراً إيجابياً، ودون أن يذكره التاريخ، وكم من قائد ترك بصماته المجيدة على تاريخ مجتمعه، بل وعلى التاريخ العالمي بأسره. هؤلاء وأولئك هم نتاج التنشئة الأولى.