رغم أنني ككل المصريين تابعت وقائع أول انتخابات رئاسية حرة تشهدها بلادي، وتسمرت حتى الصباح أمام شاشة التلفزيون أترقب إعلان النتيجة، إلا أنني حرصت في الوقت ذاته على متابعة ما يقوله «الخواجات» في الغرب، وبالذات في أميركا، عن الانتخابات المصرية.

ومن الجدير بالملاحظة أن التغطية الأوروبية كانت في مجملها أكثر توازناً من مثيلتها الأميركية، وإن لم تخل من أخطاء معرفية ومعلوماتية لا تليق بصحف كبرى.

خذ عندك «الغارديان» البريطانية مثلاً، فالصحيفة نجحت في تقديم توصيف موضوعي لنتائج الجولة الأولى، حين وصفت الإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق بأنها تعني الاختيار بين «الإخوان المسلمين والسلطوية العلمانية» التي مثلها نظام مبارك. لكن يدهشك في الواقع أن تجد صحيفة عريقة تحظى باحترام واسع مثل «الغارديان»، تقع في أخطاء معلوماتية لا يمكن أن تمر على أي مراسل يعيش في مصر.

فهي وصفت الناشط المعروف جورج إسحاق بأنه «مؤسس حزب كفاية». لكن «كفاية» التي كانت الشرارة الأولى في 2004 نحو الثورة الشاملة في 2011، ظلت منذ البداية وحتى اليوم حركة وطنية، تضم تيارات ورموزاً تنتمي لأحزاب شتى، ولم تتحول هي ذاتها أبداً إلى حزب.

وتندهش أيضاً أن تجد جريدة كبرى كالغارديان، تتحدث عن أسباب إقالة أحمد شفيق كرئيس للوزراء بعد الثورة، فتختزلها في المواجهة التلفزيونية الشهيرة التي جرت بينه وبين الكاتب المعروف علاء الأسواني، وتنسى تماماً خروج تظاهرات حاشدة مرتين على الأقل في ذلك الوقت لإقالته، مما شكل ضغطاً شديداً وقتها على المجلس العسكري.

لكن تلك الأخطاء تظل في تأثيرها محدودة للغاية، مقابل التبسيط المخل والمغالطات الفجة التي انتشرت في التغطية وردود الأفعال الأميركية، خصوصاً من جانب أنصار إسرائيل. فرغم أن الصحف الأميركية الكبرى مثل الكريستيان ساينس مونيتور ولوس أنجلوس تايمز، حرصت على أن تنقل المعلومات أكثر من التعليق عليها، إلا أن أنصار إسرائيل في مراكز الفكر والصحف الكبرى، كانت ردود أفعالهم تنضح بالانحياز.

انظر مثلاً إلى مجلة نيوريبابليك، التي نشرت مقالاً وصف كاتبه المرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح بأنه «ليس معتدلاً كما يقال»، واتهمه بأنه كان «يدعم المجاهدين الأفغان في الثمانينات». والحقيقة أن العبارة تنطوي ليس فقط على مغالطة واضحة، وإنما على نكتة حقيقية تكشف الاستهزاء بعقول القراء.

فعبد المنعم أبو الفتوح كان في الثمانينات يشارك في حملات الإغاثة الإنسانية التي تبناها اتحاد الأطباء العرب، وشارك فيها كبار الأطباء من شتى أنحاء العالم العربي، بما في ذلك أطباء مصر، الإسلاميون وغير الإسلاميين. أما النكتة فهي أن كاتب المقال بدا وكأنه لم ينمَ إلى علمه، أن الولايات المتحدة كانت في الثمانينات أكبر داعم بالمال والسلاح للمجاهدين الأفغان ضد السوفييت!

وأنصار إسرائيل في واشنطن لم يخفوا انحيازهم لما وصفته الغارديان البريطانية بـ«السلطوية العلمانية». فقد رأى ديفيد كينر الذي نشرت مقاله مجلة «فورين بوليسي» واسعة التأثير، أن «حمدين صباحي ومحمد مرسي يمثلان كارثة لإسرائيل وأميركا.. وأن المرشح الوحيد الذي لن يغير تحالفات مبارك الدولية هو أحمد شفيق».

أما معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذراع البحثي للوبي إسرائيل في واشنطن، فقد أعاد نشر مقال فورين بوليسي ونشر مقالات أخرى تسير في الاتجاه نفسه. غير أن الجدير بالتأمل أن الذي شذ عن تلك الفكرة من أنصار إسرائيل لم يكن إلا إليوت أبرامز، المعروف بتطرفه ضد العرب.

فهو كتب في «ويكلي ستاندرد»، لسان حال المحافظين الجدد، يفضل وصول محمد مرسي للرئاسة حتى تكتمل سيطرة الإخوان في مصر، فيفشلون في حكم البلاد وتتم بعدها الإطاحة بهم بالكامل، بما يخدم كلاً من أميركا وإسرائيل.

اللافت للانتباه في كل ذلك، هو أن ما قاله المعلقون «والخبراء» الأميركيون، يكشف بوضوح عن أن الغالبية الكاسحة منهم لم يدركوا أصلاً الدلالات الحقيقية للتصويت في الجولة الأولى للانتخابات المصرية.

فرغم أن الإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق تبدو وكأن مصر تعيد إنتاج معضلة «إما وإما» التي خنقت الحياة السياسية في مصر لعقود طويلة، أي «إما نظام مبارك وإما الإخوان»، إلا أن نسبة الأصوات التي حصل عليها كل منهما تشير إلى واقع مختلف تماماً.

فقد أعطى المصريون أصواتهم بأغلبية كاسحة للثورة المصرية، وحصل الإخوان على الأقلية في تلك الأغلبية الكاسحة. فقد حصل رمز النظام السابق أحمد شفيق على 23 % من الأصوات، أي على أقل من ربع أصوات الذين أدلوا بأصواتهم من الناخبين. أما الإخوان فإن الأصوات التي ذهبت لمرشحهم، لم تتعد هي الأخرى الربع، أي 25% من الأصوات.

وتأتي هنا مفارقة مهمة، فرغم أن مرشح الإخوان حصل على النسبة الأعلى بين منافسيه، إلا أن الأرقام تشير إلى أن الأداء البائس للإخوان منذ توليهم الأكثرية في البرلمان، قد خصم كثيراً من رصيدهم. فهم خسروا 6 ملايين صوت من أصل 11 مليوناً حصلوا عليها في انتخابات البرلمان، إذ كانت الأصوات التي حصلوا عليها في انتخابات الرئاسة نحو 5 ملايين صوت.

غير أن الأهم من هذا وذاك، هو أن الأصوات التي ذهبت لمرشحي الثورة حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، تصل إلى عشرة ملايين صوت، أي ضعف الأصوات التي حصل عليها الإخوان.

باختصار، صحيح أن الإعادة ستكون بين السلطوية العلمانية والإخوان، إلا أن كلاً منهما يمثل أقلية صغيرة في مصر.. وتلك هي المفارقة الأهم على الإطلاق في انتخابات الرئاسة المصرية.