الأوروبيون غاضبون هذه الأيام على إسرائيل، لأنها هدمت كثيراً من المشروعات التي مولوها في فلسطين المحتلة، وتهدد بتدمير مشروعات أخرى يسهرون عليها هناك. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، أوضح في تقرير مفصل أن السلطات الإسرائيلية هدمت في الضفة الفلسطينية خلال عام 2011 نحو 620 وحدة بنائية، كان الأوروبيون قد مولوا بناء 62 منها.
ويشير مفهوم الوحدة البنائية في هذا السياق، إلى منزل أو خزان مياه أو مشروع زراعي أو مبنى إداري أو صحي أو طريق تم تعبيده.. ونحو ذلك مما ييسر سبل الحياة الاجتماعية الاقتصادية للفلسطينيين، ويعزز جهوزيتهم للاستقلال في دولة.
وفي تقرير مشترك لمنظمات أوروبية غير حكومية، تأكد أن الجيش الإسرائيلي هو الذي يتخذ قرارات الهدم، ويتولى تنفيذ معظمها في المنطقة (ج) الخاضعة أمنيا وإداريا للاحتلال. لكن المنطقة (ب) الخاضعة لمسؤولية إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لا تسلم بدورها من هذه العملية التخريبية.
وتجري هذه الإجراءات، التي تتوخى إعادة المجتمع الفلسطيني دوما إلى نقطة الصفر، بذريعة أن هذه البنايات والمشروعات "لم تحصل على التراخيص اللازمة..".
ليس ثمة ما هو أسخف ولا أكثر استحماقا للناس واستغباء لهم، من الدفع بهذه الذريعة.. فإسرائيل، الدولة العاصية لكل الشرائع والقوانين التي أبدعتها الأمم المتحضرة لتنظيم العلاقات في ما بينها وقتي السلم والحرب، هي آخر من يحق له التحدث عن التزام التصاريح والتراخيص.
مثلًا، من أين ومتى حصلت إسرائيل على تراخيص إنشاء المستوطنات (المستخربات) في طول الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعرضها؟ وأين هي المسوغات القانونية لضم القدس الشرقية وإغراقها بالمستوطنات والمستوطنين؟.. وبالمناسبة، يصح هذا السؤال بالنسبة للقدس الغربية أيضا.
لا شيء في شرائع وقوانين السلم والحرب الدولية يسمح لإسرائيل باستغلال شبر واحد من هذه الأرض، أو اتخاذ قرارات بالبناء أو الهدم عليها. والملاحظ أنه عندما تتحدث إسرائيل عن الرخص والتصاريح وقرارات السماح والمنع الخاصة بالإعمار على الأرض الفلسطينية، إنما تقصد قوانينها وقراراتها هي، أي قوانين المحتل، وهذه فرية كاملة الأوصاف ما أنزلت بها الشرعية الدولية الحقوقية من سلطان.
والواقع أن إسرائيل، وهي تتلطى بفكرة تفعيل قوانينها العنصرية ضد الفلسطينيين ومن يمدون لهم يد العون، تبدو مفضوحة عند الأوروبيين وغيرهم.. يقول نيكولا فيركن من المنظمة الإغاثية الشهيرة "أوكسفام": "إن نظام البناء في إسرائيل قائم على التمييز ومخالف للقوانين الدولية.
فبينما يستخرج المستوطنون رخص البناء بسهولة، تواجه المشاريع الفلسطينية عراقيل كبيرة...". ولمن لا يعلم، فإن 95% من طلبات الترخيص التي رفعها فلسطينيو القدس إلى السلطات الإسرائيلية المعنية لبناء وحدات سكنية منذ 1967، قوبلت بالرفض. ويدعو للأسى والسخط، أن بعض هذه الطلبات يتعلق بمجرد إضافة شقة وأحيانا غرفة واحدة إلى مسكن مشيد بالفعل.
يحدث هذا الافتئات على حق الإنسان الفلسطيني، في الاستجابة لنداء التكاثر والتمدد الطبيعي في أضيق الحدود، في الوقت الذي صارت فيه الإعلانات عن الترخيص للمستوطنين ببناء مئات المجمعات السكنية، تقليداً أسبوعياً للحكومة الإسرائيلية.
يطول الحديث إلى حد الملل، إذا ما أردنا متابعة تفاصيل هذه السياسة التمييزية العنصرية الإسرائيلية منذ 1967.. لكن ما يعنينا أكثر في هذا المقام، هو ردود الأفعال الأوروبية على ما يؤذيهم من هذه السياسة. وبهذا الخصوص لا نعتقد أن الغضب الأوروبي، الذي نلحظه راهنا، يتجاوز التعبير المؤقت القابل للزوال السريع. حجتنا الداحضة في ذلك، أنها ليست المرة الأولى، ونحسب أنها لن تكون الأخيرة، التي نشهد فيها مثل هذا الموقف.
لنتذكر، مثلاً، كيف انتفض القوم لأن القصف الإسرائيلي الإجرامي لغزة قبل ثلاثة أعوام، طال بعض المؤسسات التي بنيت بنحو 14 مليون دولار من أموالهم.. ومن المعلوم أنهم احتدوا وقتذاك سراً وعلانية ضد تلك الفعلة، وشددوا على إسرائيل بمطلب التعويض وعلى ألا تعود لمثلها أبداً.
غير أن ما جرى عملياً هو طي هذا الملف لاحقاً، دون أن نسمع عن اعتذار إسرائيلي أو تعويض.. ثم إننا شهود اليوم على تكرار الفعلة ذاتها في مواضع فلسطينية أخرى، ولولا أن الإسرائيليين واثقون من تكرار الاحتجاجات الفارغة ذاتها، لما أقدموا عليها وهم مطمئنون.
والحال كذلك، فإن السؤال الذي يطرق الذهن، هو متى بحق السماء ينتقل الأوروبيون، فرادى أو اتحاديين، إلى الغضب الفاعل، الخشن، المؤلم، مصداقاً لهيبتهم وإعمالاً للشرعة الدولية، واقتداء بعقوبات اتخذوها في حق دول أخرى لم تنحدر سياساتها إلى درك الإجرام الإسرائيلي؟!