نسبة وأرقام صادمة بكل المقاييس، تلك التي كشف عنها وزير التربية والتعليم، رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية الأسبوع الماضي، خلال جلسة المجلس الوطني الاتحادي، حين قال ردا على سؤال العضو سعيد الخاطري حول توظيف الخريجين المواطنين العاطلين عن العمل، إن نسبة التوطين بلغت 53% في الحكومة الاتحادية، 60% منها في الوزارات (بعدد 20 ألفا و986 موظفا من إجمالي 34 ألفا و787 موظفا)، بما فيها وزارتا التربية والتعليم والصحة، و36% (بعدد 5 آلاف و670 موظفا من إجمالي 15 ألفا و929 موظفا) في الهيئات، ووفق نسب متفاوتة نُشِرت تفاصيلها أمس.
نسبة وأرقام صادمة بكل المقاييس، لأنها تمثل حصاد 40 سنة من عملية التوطين التي لعبت فيها أطراف كثيرة أدوارا مختلفة، تنوعت بين الخطط والمشاريع التي وضعتها الدولة، والجهود التي بذلتها الحكومة على مدى 40 عاما، والدعوات الحثيثة التي لم تكل ولم تمل جهات كثيرة من توجيهها لإيلاء هذا الأمر ما يستحقه من اهتمام، لنجد أنفسنا بعد 40 سنة من قيام الدولة واقفين أمام هذا الرقم مصدومين ومتسائلين: على ماذا تدل هذه النسبة؟
هل تدل على أن الجهود التي بُذِلت على مدى 40 سنة فشلت في تحقيق نسبة ترضي طموحاتنا، وتتواءم مع توقعاتنا، وتحقق واحدا من الأهداف التي من أجلها بنت الدولة المدارس وأنشأت الجامعات، وأرسلت البعثات الدراسية إلى الخارج، وتوسعت في المشاريع، ليس من أجل رفاهية المواطن وتوفير كل وسائل الحياة العصرية له فقط، وإنما من أجل توفير مجالات العمل أيضا، فكل دول العالم حين تضع خططها التنموية يكون جزء مهم من هذه الخطط توفير فرص عمل جديدة لأبنائها، كي تسير خطط التعليم والتأهيل في خط متواز مع خطط التنمية والبناء بمختلف أشكالها؟ إذا صح هذا فثمة خلل علينا أن نبحث عنه ونعالجه.
هل تدل هذه النسبة على أن الحكومة لم تكن جادة في توطين الوظائف ومختلف مجالات العمل في الدولة؟ لا نعتقد ذلك، فالحكومة منذ أن تأسس الاتحاد وقبله، كانت وما زالت تضع مصلحة الوطن والمواطن في مقدمة اهتماماتها، وتوليها العناية القصوى في كل خططها ومشاريعها، ولا نعتقد أن ثمة مصلحة أهم من أن يكون أبناء الوطن هم واجهة وطنهم، والقائمون على إدارة دفة العمل في كل مرافقه، من قمة الهرم إلى قاعدته.
هل تدل هذه النسبة على أن جميع المواطنين المؤهلين للعمل، دراسيا ومهنيا، تم تسكينهم في الوظائف المتوفرة في جميع قطاعات الحكومة، ولم يعد هناك مواطن عاطل عن العمل، الأمر الذي استدعى استيراد عمالة وافدة لسد النقص الحاصل نتيجة عدم وفاء أعداد المواطنين بحاجات العمل الضرورية؟ لا نعتقد ذلك أيضا، بدليل تزايد أعداد المواطنين الباحثين عن عمل، وفق الأرقام التي تقدمها لنا هيئة "تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية".
والتي هي في تزايد عاما بعد عام، وبدليل أعداد المواطنين الذين يقفون طوابير في معارض التوظيف التي تقام في مختلف إمارات الدولة، حاملين سيرهم الذاتية وشهاداتهم، باحثين عن عمل، وآخرها معرض "توظيف" الذي أقيم في أبوظبي شهر فبراير الماضي، وقدر مدير التسويق فيه عدد المتقدمين للحصول على وظائف خلاله بنحو 35 ألف متقدم، ومعرض "الإمارات للوظائف" الذي أقيم في دبي شهر مارس الماضي، وتوقع القائمون عليه أن يكون عدد زواره قد بلغ 20 ألف زائر.
هل تدل هذه النسبة على أن المواطنين الذين يجوبون معارض التوظيف بحثا عن عمل، لا يملكون المؤهلات التي تجعلهم مناسبين لشغل هذه الوظائف؟ لا نعتقد ذلك، بدليل أن قوائم الباحثين عن عمل التي تمتلكها هيئة "تنمية"، وأولئك الذين يقفون في طوابير معارض التوظيف تحتوي على مواطنين يحمل كثير منهم شهادات جامعية، ويحمل بعضهم مؤهلات دراسية أقل، الأمر الذي يعني أن هناك مستويات مختلفة من ذوي المؤهلات المتفاوتة، تستطيع شغل أماكن كثيرة من النسبة المتبقية التي لم يشغلها مواطنون في القطاع الحكومي حتى الآن.
وهي نسبة لا يستهان بها تصل إلى النصف تقريبا، وفقا لتصريح رئيس مجلس إدارة الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، وبدليل عدم قدرة الحكومة على تعيين أكثر من 1500 مواطن خريج من مجموع الخريجين الذين بلغ عددهم 3424 مواطنا ومواطنة خلال عام 2011، وفق ما جاء على لسان عضو المجلس الوطني الذي طرح قضية توظيف الخريجين المواطنين العاطلين عن العمل.
لقد بحت أصواتنا خلال السنوات الماضية ونحن نطالب بإشراك القطاع الخاص في حل مشكلة البطالة التي يعاني منها عدد لا يستهان به من المواطنين، والإسهام بدور فاعل في توظيفهم، معتقدين أن القطاع الحكومي لم يعد فيه متسع لاستيعاب المزيد، لكن النسبة التي كشف عنها رئيس الهيئة، وهي نسبة تخص الحكومة الاتحادية ولا تشمل الحكومات المحلية، تجعلنا نعيد النظر في كل ما طالبنا به، إذ كيف نطلب من القطاع الخاص أن يقوم بدور لم يقم به القطاع الحكومي حتى الآن بالشكل الذي يسهم في حل هذه المشكلة على نحو مقنع؟
هذه النسبة والأرقام تعني أن هناك مشكلة من الضروري البحث عن حل لها، وما لم نقم بالبحث عن أسباب هذه المشكلة، ووضع الحلول المناسبة لها، فربما نحتاج 40 سنة أخرى، كي نصل بالتوطين إلى النسبة التي نريدها، والتي تحقق الأهداف التي نسعى إليها، كي تكتمل منظومة النجاح، وكي نطمئن إلى أن ما تحقق من إنجازات، وما سوف يتحقق، هو في أيدي أبناء الوطن القادرة على صونه، حفظا لحق الأجيال الماضية في الإنجاز، وحق الأجيال القادمة في الحياة.