تنشأ فكرة التحزب من خلال قيام مجموعة من الناس، غالباً يريدون تحقيق طموح ما، في إطار سياسي يرسمونه كأهداف يتطلعون إلى تحقيقها، من خلال إيمانهم باعتقاد معين، وقد تكون دوافع إنشاء الحزب هي التعبير السياسي عن الطبقات الاجتماعية، أو تجمّع جميع هذه الرؤى لتحقيق عمل سياسي.
إذاً، فالحزب السياسي هو مجموعة من الناس يؤمنون بأهداف سياسية وفكر مشترك، وينظمون أنفسهم بهدف الوصول إلى السلطة وتحقيق برنامجهم. وقد تكون مثل هذه الأحزاب قائمة وموجودة في بعض الدول، إلا أن البعض الآخر لا يقيم لها اعتباراً. ولنطلع على هذا الموضوع بمصداقية وتجرد، لفهم طبيعة الأحزاب ومدى مساهمتها في الاستقرار السياسي لأي بلد، وبالذات في الدول العربية.
فرغم نجاح فكرة التحزب في الدول الأوروبية عموماً، وفي الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه في السياق نفسه نرى أنها كانت على مدى الأعوام الأخيرة، فاشلة في الدول العربية، ويعزو البعض سبب ذلك إلى تسلط الحكومات في هذه الدول وعدم فاعلية المشاركات السياسية فيها، وربما يصل الأمر إلى حد القول إن فشلها يرجع إلى عمليات التزوير التي تقوم بها هذه الحكومات لمنع وصول أي حزب آخر سوى الحزب الحاكم إلى السلطة، وبالتالي توليد فكر الانتقام والإضرار والتخريب.
دوأيا كانت النتائج أو الاستنتاجات، فإن الحقيقة القائمة تقول ان الأحزاب الموجودة في هذه الدول العربية، لم تفهم من معنى التحزب سوى الرغبة في الوصول إلى السلطة بتحقيق أغلبية معينة، بغرض مسك زمام الحكومة وتشكيل الوزارة، وإلا لما كانت حالها إما أن تساهم بنسبة معينة، ولو بسيطة ضمن مقاعد البرلمان، أو أن تقصى تماماً من حقها في المشاركة لعدم تحقيق أية نتائج برلمانية تذكر. وبما أن أي فكر حزبي يشكِّل اعتقاداً وإيماناً معيناً، فإنه بالتالي يعمل على تحقيق أغراضه المختلفة عن فكر واعتقاد الأحزاب الأخرى.
ولكن، هذه الأحزاب عندما تحوز على نسبة معينة، وإن كانت بسيطة، هل تساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية للمجتمع الذي تمثله، أم أنها تخدم أفكارها وأهدافها فقط، وبالتالي تقف دائماً كحائط صِدام وصدّ ضد حزب الأغلبية، لإيقاف أو إيقاع أي مشروع يتقدم به هذا الحزب وإن كان يهدف للصالح العام، ليس لسببٍ سوى المعارضة والمعارضة فحسب.
أما في حالة عدم دخول أي من أعضاء هذا الحزب إلى البرلمان وحرمانه من تشكيل الحكومة أو المشاركة فيها، وبمعنى آخر عدم الوصول إلى السلطة، فترى هذا الحزب يقوم بمحاولة تحقيق مآربه من خلال معارضته الدائمة داخل الساحة المحلية والشارع السياسي، لأنه لم يصل إلى النتيجة المرجوة التي أراد تحقيقها، ومن ثم يعمل على سياسة الإحباط والتخريب.
وبنظرة متفحصة يدركها عامة الناس، نرى أن هذه الأحزاب لا تعمل حقيقة لمصالح الشعوب عموماً، ولكنها تعمل لمصلحتها الخاصة، وهذه المصلحة الخاصة يُقرّرها أشخاص معينون يرون أنهم أجدر بالسلطة من غيرهم.
وهذه الفكرة التي تراود كثيراً من الناس، هي فكرة السباق والقيادة وحب الجاه، فيرى أشخاصها أن لا سبيل لهم لجمع أكبر قدر من عامة الشعب بغرض تحقيق هدفهم في الوصول للسلطة في المرات القادمة، سوى إظهار حبهم وإخلاصهم للناس تحت شعارات رنانة وعملهم على تحقيق مصالحهم الظاهرة، ولكن الهدف الحقيقي هو الإرادة المكنونة في النفوس للوصول إلى السلطة لتحقيق مبتغاهم، ولا أدل على ذلك من تذمر المجتمع العربي بشكل خاص من الأحزاب التي تتكلم باسمه على مستوى الشارع أو الإعلام.
وقد رأينا في الآونة الأخيرة أيضاً، في مجتمعاتنا الخليجية المستقرة اجتماعياً وسياسياً، من ينادي بتشكيل الأحزاب، وربما بلغ الأمر بأولئك حد التعاون مع المنظمات الخارجية لتحقيق هدفهم، وقد تكون هذه المنظمات مدسوسة أو تخريبية تهدف لزعزعة أمن الدول والتلاعب بكياناتها، بدعوى تحقيق الديمقراطية والحرية المزعومة.
إن مثل هؤلاء المنادين ما هم حقيقةً سوى سفهاء يتلاعبون بالنار، ولا يحمدون الله على النعم التي يعيشون ويهنؤون بها، ويدّعون أنهم يريدون الإصلاح ويريدون القضاء على مظاهر الفساد والرشوة. وهذا مقام مصارحة للنفس في الطرح، فلا نزين ولا نجمل ولا نقبح أو نهول، فكل مجتمع يوجد فيه الصالح والطالح، وهذه سنة الحياة التي عاش بها الناس منذ خلق آدم، وحتى في عهد سيد الخلائق محمد صلى الله عليه وسلم كان المنافقون، والكذابون، والكفرة، والطغاة، والجاحدون، والفاسقون، والمتربصون، فمجتمع الأمس هو ذاته مجتمع اليوم، ورجالات القرون الماضية هم أنفسهم رجالات اليوم.
ومن أنكر ذلك فهو ناكر للحق، لأن الله عز وجل عندما شرع شرعته ومنهاجه، جعلها لكل زمان ومكان، ولم يخص بها جيلاً دون جيل أو أناساً دون أناس، فهذه سنة حياة، بل بالعكس فقد غلبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتن والمحن والمخاطر التي حاقت بالمسلمين من كل حدب وصوب، إلى أن نصر الله دينه. فهل ينكر هؤلاء على حكوماتنا أنها حكومات مسلمة تريد الإصلاح للمجتمع؟ أيرون في أنفسهم صلاحاً وقدرة على تحقيق نتائج أفضل، أم هو حب السلطة والسيطرة؟!
إن الحقيقة الثابتة هي أن الأحزاب السياسية إما صُفر أو صِفر، وكلاهما لا يحقق الغرض بأقل قدر في مجتمعاتنا العربية، لذلك وجب علينا الابتعاد عن فكر التحزب، خاصة وأنه ذميم في لفظه وفكره واستدلاله.