"للنجاح ألفُ أب، وللفشل أب واحد فقط"، مقولة لم أكن أود أن أبدأ بها لكثرة ما سمعناها تُردد في كل مناسبة، ولكن يبدو أنه لا مفر، لأنها العبارة الأنسب والأقرب التي تفرض نفسها عندما نقرأ عن إلقاء تبعة فشل عمل ما على شخص واحد، لمجرد أنه قائد الفريق الذي قام بذلك العمل، أو إلقاء التبعة على الفريق، وإخراج ذلك القائد من التبعة مثلما تُخرَج الشعرة من العجين، كما يقول المثل. هل نتفق على هذا أم نختلف؟ هذه قضية فيها نظر، لكنّ ما يجب أن نتوقف عنده، هو الاعتراف بالفشل نفسه.
في منتصف شهر ابريل الماضي، أعلن رئيس استوديوهات "والت ديزني" الأميركية للإنتاج "ريتش روس" استقالته، بعد فشل فيلم "جون كارتر" في شباك التذاكر وتسجيله خسائر كبيرة فاقت المئتي مليون دولار. وقال في رسالة وجهها إلى موظفي الشركة: "أنا أومن بسجلنا الضخم في الأفلام، وقدرتنا على صناعتها والتسويق لها أكثر من أي شركة أخرى، لكنني لم أعد أرى أن منصب الرئيس يناسبني".
هل تمت الاستقالة بضغط من الرئيس التنفيذي للشركة "روبرت إيغر" مثلما قال مراقبون، أم هي خطوة أقدم عليها "روس" من تلقاء نفسه؟ هذه أسئلة لا نعرف إجاباتها، لكنّ ما نعرفه هو أن "إيغر" أشاد في بيان أصدره، بمواهب "روس" ونزاهته، مركّزا على نجاحه في إدارة قناة ديزني، وقال إن رؤيته وقيادته فتحت الباب أمام "ديزني" حول العالم، مما جعلها جزءا من الحياة اليومية لملايين الناس! هل أصبح الرئيس التنفيذي للشركة مقتنعا بأن "روس" فقد ثقة موظفيه وشركاء "ديزني"؟ وهل اشتكى المخرجون والمنتجون منه كثيرا بعد الفشل الذريع الذي حققه فيلم "جون كارتر"؟ وهل كان تعيين "روس" قبل سنتين ونصف في منصب رئيس استوديوهات "والت ديزني" من الأساس قرارا خاطئا؟ هذه أسئلة أخرى لا نملك الإجابة عنها أيضا.
الاستقالة في حد ذاتها فعل عادي، قد يقدم عليه المرء في أي مرحلة من مراحل حياته الوظيفية، لكن ما يجعلها فعلا غير عادية هو سببها، والظروف المحيطة بها، والأسلوب الذي تتم به. هذه الأشياء مجتمعة هي ما تجعل استقالة "ريتش روس" فعلا غير عادي، ويجعلنا نتساءل عن عدد الذين يملكون الشجاعة الأدبية كي يعترفوا بأن المناصب التي يشغلونها لم تعد تناسبهم، أو أنهم لم يعودا يناسبونها؟ وهو تساؤل ربما يضع الكثيرين أمام مواجهة صعبة تجاه أنفسهم قبل الآخرين، وهي مواجهة نعتقد أن الكثيرين سوف يخرجون منها خاسرين، ولكن أيهما أكثر فداحة؛ أن نخسر وظائفنا، أم نخسر أنفسنا واحترامنا لذواتنا؟.
ثقافة الاعتراف بالفشل هي جزء من المواجهة مع النفس، وهي ثقافة ليست غائبة عن المجال الوظيفي فقط، وإنما عن مجالات كثيرة في الحياة نعتقد أننا دائما على صواب فيها، وأن الآخرين دائما على خطأ. ضرر غياب هذه الثقافة يكون محدودا عندما يتعلق الأمر بالشخص نفسه والدائرة الضيقة المحيطة به، لكن ضرر غيابها يكون فادحا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة كبيرة، مثل الوزارة أو الدائرة أو المؤسسة أو الشركة التي يعمل فيها على سبيل المثال، ويكون هذا الضرر أفدح عندما يتعلق الأمر بمصلحة وطن أو مستقبل أمة.
المسافة بين النجاح والفشل متقاربة جدا، رغم التضاد الكبير بينهما، فالفشل كثيرا ما يكون على بعد مليمترات قليلة من النجاح، والعكس صحيح. الأذكياء هم الذين يستطيعون الابتعاد عن الفشل مسافة أكبر، وتحويل هذه المليمترات إلى أميال، والأقل ذكاء هم الذين يفشلون في المحافظة على هذه المسافة فيقعون في المنطقة المحظورة. ويبقى الاعتراف بالفشل هو الفيصل بين أولئك المكابرين الذين يصرون على آرائهم، حتى وهم ينزلقون إلى الهاوية، متشبثين بكل ما في أيديهم من سلطة وهيلمان ونفوذ، وبين أولئك الذين يتعاملون مع الواقع بموضوعية، ويسلمون الراية إلى غيرهم بهدوء، قبل أن ينتزعها أحد منهم رغما عنهم.
عندما ننبش ذاكرتنا نجد فيها كثيرا من الفاشلين الذين ارتكبوا أخطاء لا تعد ولا تحصى، أدى بعضها إلى كوارث ربما امتدت آثارها إلى أجيال لا يعلم إلا الله عددها، ومع ذلك ظلوا متمسكين بمواقعهم حتى النفس الأخير، لكننا لا نجد فيها إلا القليل، وربما النادر، من أولئك الذين اعترفوا بفشلهم وقرروا الرحيل من تلقاء أنفسهم. لذلك نحن بحاجة إلى نشر ثقافة الاعتراف بالفشل في مجتمعاتنا، فربما كانت هذه أول خطوة على طريق تصحيح الأخطاء، وإعادة المحاولة من جديد.
في حكاية "ريتش روس" مع "والت ديزني" أكثر من عبرة، وحدهم الذين يعرفون قيمة النجاح ويؤمنون بثقافة الاعتراف بالفشل، يدركونها ويستوعبون الدرس منها. أما أولئك الذين يمضون مكابرين مهما ارتكبوا من أخطاء، فهم الذين يمرون على الحكاية مرور الكرام، وربما حجزوا تذاكرهم لمشاهدة فيلم "جون كارتر" من باب العناد، لا أكثر ولا أقل.
نمضي في هذه الحياة متفائلين، يحمل كل واحد منا طموحاته وأحلامه وخططه، واثقين من قدرتنا على تحقيقها، وهذا حق مشروع للجميع، والاعتراف بالحق فضيلة، لكن الاعتراف بالفشل عندما نخفق في تحقيق هذه الطموحات والأحلام والخطط فضيلة أكبر، فللنجاح ألف أب كما اتفقنا، بينما للفشل أب واحد فقط، وغالبا ما يولد الفشل يتيما، لأن الجميع يتخلون عنه قبل أن يتخلق ويصبح جنينا في رحم الحياة، التي تحترم الفاشلين الذين يعترفون بفشلهم، وتلفظ المكابرين الذين يصرون على ادعاء النجاح، رغم إخفاقهم الذي لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة.