نحن الآن في نهاية السنة الدراسية والكثير من الجامعات والمعاهد العلمية بدأت في حفلات التخريج استعداداً لدفع فوج جديد من الخريجين إلى سوق العمل. وهذا يعني أن هناك مئات من القادمين الجدد لسوق العمل الممتلئ أصلاً والذي يعاني من تخمة كبيرة ومنافسة شرسة. فماذا فعلت الجهات الرسمية والقطاع الخاص من أجل امتصاص هذه الزيادة القادمة وتوفير فرص عمل مناسبة لها؟

وما هو دور معارض التوظيف التي انتشرت في هذه الفترة في كافة أرجاء الإمارات في تعريف الشباب بمجالات العمل المختلفة سواء تلك التي تعاني من نفور الشباب منها أو تلك التي يتكالبون عليها؟ وكم من الوظائف متوفرة أصلاً لشبابنا المواطن القادم إلى سوق العمل بدون تدريب وتأهيل أو خبرة؟

وما هي المنافسة التي يجب أن يتوقعونها في سوق العمل؟ وما هي التحديات المهنية والنفسية التي سوف يواجهها هؤلاء الشباب؟ وما هي الحلول التي أوجدتها سواء الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية والقطاع الخاص من أجل التغلب على تلك التحديات وتوفير بيئة جاذبة لهؤلاء الشباب؟ وما هو دورنا نحن كتربويين وأكاديميين في تأهيل هؤلاء الشباب لكي يبدؤوا حياة مهنية خالية من المتاعب والعقبات؟ وكيف نساعدهم على الخروج من نطاق وقوقعة الدراسات النظرية التي درسوها لعدة سنوات إلى نطاق الواقع العملي بكل ما يحمله هذا الواقع من تحديات وفرص وطموح؟

هذه الأسئلة جميعها تحتاج إلى إجابات شافية ونحن نرى اليوم مئات من الشباب الخريجين تملؤهم الحماسة والأمل وهم يستعدون لخوض غمار أول تجربة عملية لهم في حياتهم أو ما يمكن أن يكون أول اختبار مهني لهم. بالطبع لن نتحدث فقط عن دور الجهات الرسمية والقطاع الخاص الداعم للتوطين في توفير فرص عمل مناسبة لهؤلاء الخريجين .

ولكن أيضاً عن دور التربويين والأكاديميين في تهيئة الأرضية المناسبة لهؤلاء الشباب لكي يبدؤوا حياة عملية خالية من المنغصات وتهيئتهم لاستقبال هموم المهنة والاستعداد النفسي لها، وهي الهموم والمنغصات التي تعد المسؤول الأول عن تسرب الكثير من الموارد البشرية الشابة قبل أن تبدأ ربيعها المهني. في السنوات الماضية أدت مخرجات التعليم غير المدروسة والآثار العميقة التي خلفتها الأزمة العالمية إلى انتشار ظاهرة جديدة في منطقة الخليج بأسرها ألا وهي ظاهرة البطالة الشبابية.

ومما فاقم من انتشار هذه الظاهرة هو وجود عوامل اقتصادية واجتماعية عديدة أدت جميعها إلى تعطيل الاستفادة من الكثير من الموارد البشرية الشابة المواطنة بل تسربها من سوق العمل لصالح غيرها. وبالنتيجة أدت كل هذه التأثيرات إلى وضع لا يتناسب مع امكانيات دول الخليج ولا خططها التنموية ولا إمكانياتها المادية، وضع أدى إلى تأثيرات سلبية كثيرة ووضع دول الخليج لفترة تحت المجهر. أدى هذا الوضع كذلك إلى تعطيل الاستفادة من تلك الطاقات الشابة التي وقفت طويلاً في طوابير الانتظار حتى تتهيأ لهم فرصة وظيفية مناسبة.

ولكن مراجعة الخطط الدراسية وانتهاء آثار الأزمة الاقتصادية وتعدل الوضع في سوق العمل المحلي كثيراً عما كان عليه الحال في الأعوام الأربعة الماضية، أدى مجدداً إلى انتعاش الطلب على العمالة المدربة والماهرة وأدى إلى استقطاب عمالة جديدة.

ولكن سوق العمل الخليجي عامة والإماراتي على وجه التحديد لا يزال محتاجاً للكثير من الضبط والتقنين كما أنه بحاجة إلى وضع العديد من اللوائح والقوانين التي تنظم عمله وتحمي الشباب المواطن من المنافسة وتوفر لهم فرصة عمل تناسب خطط الدولة وطموحات الشباب.

فيما يتعلق بسوق العمل الإماراتي المتبني للانفتاح، أن يضع اللوائح التي تحمي الشباب المواطن من المنافسة الشرسة في سوق العمل، وعليه تكثيف الجهود في تدريب هؤلاء الشباب تدريباً عملياً مناسباً حتى يهيئهم لتقبل تقلبات سوق العمل ومتغيراته. ولكن علينا كتربويين وأكاديميين أن نهيئهم نفسياً لتقبل كافة المتقلبات التي سوف يواجهونها في سوق العمل، وأن نعمل على إزالة تلك الترسبات والصور النمطية السلبية عن العمالة المواطنة لكي يظهر وجهها الحقيقي.

يجب تهيئة هؤلاء الشباب لمعرفة أن الحياة العملية مختلفة تماماً عن الدراسة النظرية التي تلقوها، وأن سوق العمل مليء بالتحديات والعقبات بعضها حقيقي والآخر مصطنع، وأن عليهم أن يجتازوا أول اختبار مهني بكل تحد وإصرار حتى تتبلور ثقتهم في أنفسهم. بالتأكيد يحتاج الشباب المواطن إلى التدريب والتأهيل والكثير من الدورات حتى يثبت وجوده، ولكنه يحتاج أكثر إلى الدعم النفسي وإلى اقناع الآخر بجديته في تبوؤ المناصب التي وصل إليها بجهده وعرقه وليس فقط بانتمائه لهذه الدولة.

إن هناك من يحمل نظرة خاطئة للشباب المواطن بأنه غير جدي وبأنه لا يطمح إلا في المناصب ذات الكراسي المريحة والأجور المرتفعة دون بذل عناء يذكر أو جهد يْقدر، وبأنه يتجنب وظائف الصف الثاني أو الثالث ولا ينظر إلا إلى الوظائف الأولى.

بالتأكيد هذه النظرة خاطئة ولا يمكن تعميمها. فهناك شباب متحمس للبدء من الصفر وعلى استعداد لخوض غمار المهنة والتحدي بكل ثقة وهناك شباب طموح يريد فرصة لإثبات جديته ومهاراته وعلى استعداد لخوض غمار التجربة بكل ما فيها من تحد. كما أن هناك شباباً من الجنسين يخوضون غمار التحدي في مهن غير تقليدية وهم مصممون على أن يكونوا هم السباقين فيها بكل ما يحمله هذا السباق من تحد ومشقة. هؤلاء الشباب يستحقون منا كل الدعم والمؤازرة.

إن تهيئة الأرضية المناسبة للشباب لكي يبدؤوا حياة عملية مريحة هي عملية ليست فقط منوطة بالهيئات الرسمية والقطاعين العام والخاص، واللذين عليهما بالطبع الدور الأكبر في تهيئة الأرضية المناسبة ومن أجل امتصاص تلك العمالة الشابة الجديدة، بل ان على التربويين والأكاديميين دوراً مهماً في تهيئة هؤلاء الشباب لتقبل التحديات التي سوف يواجهونها في سوق العمل والتغلب عليها. بهذا تتكامل عملية تأهيل الشباب وتدريبهم لكي يبدؤوا حياة عملية خالية من المنغصات.