أوروبا في حالة ركود، إذ تعاني البرتغال وايطاليا واليونان من سوء أوضاعها الاقتصادية. وانكمش الاقتصادان البريطاني والاسباني على امتداد الربعين الأخيرين. ويبدو من المحتمل جداً أن فرنسا وألمانيا تعانيان من ركود مزدوج أيضاً. لماذا ينبغي لنا أن نهتم؟ لأن اقتران الركود الاقتصادي في ثالث أكبر اقتصاد في العالم (أوروبا) بالتباطؤ الحالي في ثاني أكبر اقتصاد (الصين) يحمل مشكلات لأكبر اقتصاد في العالم (حتى الآن، أميركا).

ولا ينبغي أن ننسى أنه اقتصاد عالمي. حيث يسافر المال عبر الحدود بسرعة النبضة الإلكترونية. وتشكل بنوك "وول ستريت" جزءاً من شبكة رأسمالية عالمية تمتد من فرانكفورت إلى بكين. وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها البنوك الأميركية لتزيين ميزانياتها العمومية، فإنها تغدو أكثر هشاشة.

ومن جهة أخرى، تدور السلع والخدمات في أرجاء العالم. وإذا لم يكن هناك ما يكفي من الطلب عليها في ثاني وثالث أكبر اقتصادين في العالم، فإن الطلب في الولايات المتحدة لا يستطيع تعويض الفارق. وقد يعني ذلك ارتفاع معدلات البطالة في أميركا، وكذلك في أماكن أخرى. والاقتصاد الأميركي يظهر بالفعل مؤشرات تباطؤ. ولا يجدر بنا أن نعزو مشكلات أوروبا إلى ما يسمى بـ "أزمة ديونها". إذ لم تكن هناك أي أزمة ديون في بريطانيا، على سبيل المثال، وها هي تشهد الآن أول ركود مزدوج منذ سبعينات القرن الماضي.

الأجدر أن نعزوها إلى اقتصاديات التقشف، وإلى وجهة النظر الملتبسة القائلة إن عمليات التباطؤ الاقتصادي تنجم عن الديون المفرطة، ولذا فإن الحكومة مطالبة بخفض الانفاق. وتغاضت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي قادت اندفاعة التقشف، وغيرها من صانعي السياسة الأوروبيين الذين حذوا حذوها عن حقيقتين هامتين. أولًا، لا تتمثل المشكلة الحقيقية في الدين في حد ذاته، وإنما في نسبة الدين إلى حجم الاقتصاد.

وفي غمرة استعجالهم بخفض الدين العام، نسي الأوروبيون القاسم المشترك في المعادلة. فهم عبر خفضهم الإنفاق العام، أزالوا مصدرا مهماً للطلب في وقت لم يزل فيه المستهلكون والقطاع الخاص في دوامة الكساد الكبير. ويفاقم التباطؤ الناجم نسبة دين أوروبا إلى ناتجها المحلي الإجمالي.

وأن يكون هناك دين كبير مع نمو سريع هو خير من دين صغير يجثم فوق نمو معدوم، وخير من دين صغير على رأس اقتصاد آخذ في الانكماش.

والحقيقة المهمة الثانية التي تجاهلوها هي التكلفة الاجتماعية للتقشف. إذ إن خفض الانفاق في وقت يشهد معدلات بطالة مرتفعة وأجورا منخفضة أو آخذة في الانخفاض لا يفاقم معدلات البطالة فحسب.

ولكنه يزيل أيضاً الخدمات العامة وشبكات الأمان التي يعول عليها الناس في الاوقات العصيبة. ويسبب ذلك اضطرابات سياسية. فأخيراً، اضطر رئيس الوزراء الهولندي مارك روتا إلى تقديم استقالته. فيما يوشك رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون على التعرض للهزيمة. وفي الانتخابات الرئاسية الفرنسية، سقط الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي أمام الاشتراكي فرانسوا هولاند. والأحزاب المتطرفة الأوروبية على اليسار واليمين تحرز تقدماً.

وعبر القارة الأوروبية، يجلس الشباب بأعداد قياسية بلا عمل، بمن فيهم العديد من خريجي الجامعات الجدد، وغضبهم وإحباطهم يغذي تلك الاضطرابات. ويعد هذا النوع من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في حد ذاته عائقاً أمام النمو، إذ يفاقم انعدام اليقين بشأن المستقبل. هل يبدو ذلك أمراً مألوفاً؟ إن الولايات المتحدة تسلك المسار نفسه.

وحتى لو نجح الاقتصاد الأميركي (وكذلك حملة إعادة انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما) في تجاوز الركود الاقتصادي الأوروبي، فإن جرعتنا الكبيرة من اقتصاديات التقشف ستحين في أقل من ثمانية شهور، وهو الموعد المقرر خفض الانفاق فيه بشكل جذري، إلى جانب رفع الضرائب على الطبقة المتوسطة. ولكن الاقتصاد الأميركي لا يتمتع بصحة تمكنه من تحمل هذا العبء.

وذلك يعني حدوث ركود مزدوج. يتعين على صناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا أن يتخلوا عن اقتصاديات التقشف. وينبغي لهم، بدلًا من ذلك، أن يضعوا أهدافاً للنمو والبطالة، وأن يستمروا في زيادة الإنفاق الحكومي وخفض معدلات الفائدة طويلة المدى إلى حين تحقيق تلك الأهداف. وحينها فقط يمكنهم اعتماد سياسة التقشف.

ربما فات الأوان بالنسبة لأوروبا، غير أنه لم يفت بالنسبة لنا. ولا يتحتم علينا أن نسقط في الهاوية وراء أوروبا.