منذ إقرار نظام العولمة وهيمنتها، وفرض مفاهيمها على الاقتصاد العالمي وثقافاته وعلى العلاقة بين شعوبه والدور الاستثنائي للدول الكبرى (الذي لا يستطيع أحد الوقوف بوجهه) وفرض شروط وإملاءات جديدة على دول العالم وتطورها ومسيرتها المتعددة الجوانب.
وبعد انهيار الحرب الباردة وصراع القطبين، وسيادة قطب واحد وثقافة واحدة وسياسة واحدة ونمط واحد للتفكير والقيم وأساليب العيش والعلاقات الدولية، وبطلان الأساليب القديمة التي كانت تفرض الدول الكبرى والقوية من خلالها هيمنتها على الدول الصغرى والشعوب الضعيفة، منذ ذلك الوقت، أصبحت علاقات الداخل بالخارج ذات نظم وقوانين وتقاليد وأحكام وشروط وسياسات جديدة ومستجدة.
فلم يعد تدخل الخارج بالداخل عملاً عدوانياً أبلق كما كان الحال في النصف الثاني من القرن الماضي، وصار هذا التدخل أمراً عادياً وأحياناً مطلوباً ومستحباً، سواءً كان على شكل تدخل سلمي ومساعدات اقتصادية وتقانية وثقافية (بما في ذلك نشر لغة المتدخل وثقافته وقيمه وطقوسه) أم كان تدخلاً غير سلمي قد يصل إلى التدخل العسكري، الذي لم يعد من يطالب به، في بعض الحالات.
ولدى بعض الدول، يعتبر خائنا أو حليفاً للأجنبي، بل يبرر كثيرون قبول مثل هذا التدخل للخلاص من نظام شمولي أو ديكتاتوري أو من عسف السلطة وتحكمها، أو من القمع الداخلي والاستبدادي وانتهاك حقوق الإنسان أو غير ذلك.
كانت علاقة الداخل بالخارج حتى نهاية القرن الماضي، علاقة هيمنة تأخذ شكل استعمار مباشر أحياناً، أو شكل فرض حماية وشروط اقتصادية وإقامة قواعد عسكرية وغير ذلك. لكن هذه الصيغة تغيرت منذ مطلع الألفية الحالية، فلم تعد الدول الكبرى بحاجة لمثل هذا التدخل المباشر أو شبه المباشر (وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط القطب السوفييتي).
وصار يمكن للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وللنظام الرأسمالي والاحتكار الأميركي والأوروبي، أن يتدخل بالصيغة التي يراها في شؤون الشعوب والدول الصغيرة، كما يمكن لهذه القوى أن تعطي تدخلها الشرعية بقرار من المنظمات الدولية التي تهيمن عليها، أو بزعم الاستجابة لنداءات داخلية، وهكذا يأخذ تدخلها طابع المنقذ والمساعد.
ونادراً ما ينظر إليه كنمط جديد من أنماط الهيمنة. وفي بعض الأحيان يلاقي المعارضون له نقداً شديداً من قوى عديدة داخل المجتمع، ويتهمون بتهم متعددة كالعمالة للنظام القائم، أو التخاذل، أو التطرف الوطني والقومي أو ما يشبه ذلك. وفي الخلاصة لم يعد التدخل منبوذاً بشكل صريح ودائم وشامل بل أصبح أحياناً مستحباً. حتى لو لم يكن تحت غطاء قرار دولي.
لقد شهدنا مثل هذا التدخل في العراق، حيث غزت الجيوش الأمريكية وجيوش بعض حلفائها هذا البلد العربي واحتلته وأسقطت نظامه السياسي الديكتاتوري، حيث لم يستطع شعبه إسقاطه، كما شهدناه في أفغانستان عندما أسقطت جيوش حلف الأطلسي نظام طالبان.
وفي ساحل العاج عندما أزاحت نظاماً رافضاً نتائج انتخابات ديمقراطية، وفي ليبيا رداً على عسف نظام القذافي وهمجيته وقتله شعبه، كما شهدناه في أمكنة عديدة أخرى في العالم (حيث أخذ في حالات عديدة طابع التدخل الناعم والمخملي).
يتم التدخل الخارجي عادة تحت شعار الانتصار لحقوق الإنسان المنتهكة، وعلى رأسها حق تقرير المصير للشعب المعني، وغالباً ما تكون حقوق الإنسان منتهكة فعلاً في هذه البلدان وحق تقرير مصير شعوبها ممتنعاً على هذه الشعوب، وهنا تقع الإشكالية حيث يتداخل الواقع المرير الذي تعجز الشعوب عن تغييره مع الفعل الخارجي الذي يعلن أن لا هدف له سوى نجدة هذه الشعوب واستعادة حقوقها.
ولكن النتائج في جميع الحالات التي حصل فيها التدخل تشير بوضوح إلى أن هذا التدخل لم يكن فقط لاستعادة هذه الحقوق المسلوبة بل لتحقيق مصالح المتدخلين، سواء منها تدمير البلد المعني وإعادته عشرات السنين إلى الوراء (وهذا ما تريده إسرائيل غالباً من التدخل في شؤون البلدان العربية الداخلية) أم الهيمنة على ثرواته المتعددة الجوانب، أم أخيراً تحقيق تبعيته السياسية للمتدخلين.
ومع أن التدخل يسقط النظام القائم في هذه البلدان، ويخلص الشعوب من همجيته وفساده وآثامه، إلا أنه في الوقت نفسه، يدمر أيضاً الدولة برمتها، بمؤسساتها العسكرية والأمنية والإدارية والاقتصادية وحتى الثقافية، ويعيدها إلى عصر ما قبل الدولة.
كما يحيي الغرائز والمشاعر الطائفية والإقليمية والمذهبية بدلاً من تعميق معيار المواطنة، ويسلم البلاد لشريحة بعينها يكون راضياً عنها (أي استبدال طغمة بطغمة)، ولا يحترم المعايير الديمقراطية ولا معايير الحرية وحقوق الإنسان التي جاء لإنقاذها، وهكذا يحول التدخل البلاد إلى بلاد مدمرة.
نتيجة التدخل، يستبدل الشعب مصيبة بمصيبة أخرى، ونظاماً مستبدا ًفاسداً بنظام تابع للأجنبي وبلاداً مدمرة. إنها مفارقة أن يضطر شعب من الشعوب للاستعانة بالأجنبي لتقرير مصيره وحل مشاكله وصعوباته، خاصة وأن التدخل المعاصر لم يعد يأخذ طابع هيمنة أو استعمار أو انتداب، وإنما طابع (مساعدة وتعاون وصداقة) لا يخجل كثيرون من المطالبة بها.
في التاريخ العربي رافق أبورغال، في القرن السادس الميلادي، الأحباش ليخلصوا قريش والعرب من فئة منها تحكم مكة وتتحكم فيهم (ووصلوا إلى مكة وحاصروها على أمل هدمها)، وما زالت العرب حتى الآن تصف من يطلب التدخل الأجنبي لحل مشاكله الداخلية بأنه أبو رغال المعاصر (ازدراء واتهاماً بالخيانة، مع أنه مات قبل وصولهم إلى مكة)، ويبدو أن مثل هذه التهم لم يعد أحد يأخذها بعين الاعتبار في عصرنا، وقد نسمع يوماً بمن يحاول نزع صفة الخائن عن أبي رغال ويمجد عمله ويبرره بعد أربعة عشر قرناً من حدوثه.