تتخذ الحكومتان الإسرائيلية والأميركية، مواقف تبدو مقطوعة الصلة بتطورات جوهرية تحدث في مجتمعيهما. ففي الوقت الذي تواطأت فيه إدارة أوباما مع الحكومة الإسرائيلية ضد قرار مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بفتح ملف المستوطنات، كانت الأصوات تتعالى في كل من أميركا وإسرائيل ضد سياسات حكومة نتنياهو تجاه فلسطين، والمدعومة من الولايات المتحدة.
ففي الأسبوع الماضي، نشرت الصحف الإسرائيلية أن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون، سافر سرا إلى الولايات المتحدة للقاء نظيره الأميركي وليام بيرنز، من أجل حث الإدارة الأميركية على وأد قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بتشكيل لجنة خاصة لفتح تحقيق "حول تأثير المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية للشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية". وطالب أيالون نظيره الأميركي بالانسحاب من مجلس حقوق الإنسان، إذا ما تم تشكيل اللجنة.
وقد نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن إدارة أوباما وإن لم تستجب لفكرة الانسحاب من المجلس، إلا أنها قامت بالفعل بممارسة ضغوطها عليه من أجل تأجيل تشكيل لجنة التحقيق، وتضييق صلاحيات تلك اللجنة حال تشكيلها. وقد صاحب ذلك الموقف الأميركي، الإعلان في إسرائيل على لسان وزير خارجيتها، عن وقف التعاون مع مجلس حقوق الإنسان ومقاطعة أعماله.
وموقف الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، يتناقض تناقضاً صارخاً مع ما يحدث، ليس فقط في أوساط اليهود الأميركيين، وإنما داخل إسرائيل نفسها. فهناك شعور واسع بالقلق من أن سياسات إسرائيل الراهنة، تدفع بها نحو الهاوية. ففي أميركا، صدر مؤخرا كتاب بعنوان "أزمة الصهيونية"، للكاتب اليهودي الأميركي بيتر بينارت، والذي دعا فيه لمقاطعة المستوطنات الإسرائيلية، باعتبار ذلك هو الوسيلة الوحيدة لإجبار إسرائيل على إنهاء الاحتلال.
وفي أميركا أيضا، كتب الاقتصادي الأميركي المعروف وصاحب نوبل في الاقتصاد بول كروغمان، لأول مرة منتقداً لإسرائيل. فالمتابع لكتابات كروغمان البحثية والصحفية، يعرف أنه لا يكتب أبداً عن إسرائيل، وإنما يكرس قلمه للشأن الداخلي الأميركي. لكن الواضح أن كروغمان استفزته الحملة الشرسة التي شنها أنصار إسرائيل على بيتر بينارت، فكتب يدافع عنه مؤكدا أنه "طالما امتنع عن الكتابة عن إسرائيل"، رغم رفضه لسياساتها، تجنبا لحملات التشهير التي تشنها "منظمات مناصرة لإسرائيل تحاول أن تجعل أي انتقاد لسياسة حكومتها مساوياً للعداء للسامية". وأضاف كروغمان أن "السياسات ضيقة الأفق التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية، تمثل شكلاً من أشكال الانتحار التدريجي على المدى الطويل".
غير أن الأكثر أهمية من انتقادات يهود أميركا للحكومة الإسرائيلية، هو الانتقادات الموجهة من داخل إسرائيل نفسها، وهي التي لم تعد تقتصر على النشطاء والمثقفين، حيث امتدت مؤخرا وبشكل لافت إلى المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية ذاتها. فقد نشرت صحيفة هيرالد تريبيون مؤخرا، مقالاً لآمي أيالون القائد السابق للقوات البحرية الإسرائيلية، يرفض فيه السياسات الاستيطانية، ويدعو إلى انسحاب إسرائيل من المستوطنات الموجودة في الضفة، بما في ذلك القدس الشرقية، والعمل على إيجاد واقع يسمح بإقامة دولة فلسطينية.
والانتقادات لا تقتصر على السياسات الإسرائيلية إزاء فلسطين، وإنما تمتد لتشمل أيضا سياسة صرف الانتباه عن الاحتلال، عبر دق طبول الحرب مع إيران. فقد أعلن يوفال داسكين الرئيس السابق لجهاز الأمن (شين بيت)، أنه لا يثق في نتنياهو ولا في وزير دفاعه إيهود باراك، واتهم الحكومة الإسرائيلية الحالية "بتضليل الرأي العام بخصوص إيران، فهم يقولون للناس إن ضربة إسرائيلية لإيران ستعني عدم امتلاك إيران للقنبلة النووية، وهذا كلام مضلل لأن الكثير من الخبراء أكدوا أن الهجوم سيؤدي لإسراع إيران في سباقها النووي" وليس العكس.
أما رئيس الموساد السابق مائير داغان، فقد حذر من الآثار "المدمرة" على إسرائيل في حال توجيه ضربة لإيران. ولم يكن إيهود أولمرت، رئيس الوزراء السابق، بعيداً عن الساحة، فهو كان من أوائل من وجهوا انتقادات علنية لنتنياهو في هذا الصدد. ولم يقتصر الأمر على المسؤولين السابقين، فقد أكد بيني جانتز رئيس الأركان الإسرائيلي الحالي، أن "القيادة الإيرانية قيادة عقلانية ولن تسعى للسلاح النووي"، بينما أعلن تامير باردو رئيس الموساد الحالي، أن إيران لا تمثل "تهديدا وجوديا لإسرائيل" كما تزعم حكومة نتنياهو.
والسؤال هنا هو؛ ما الذي يجعل إدارة أوباما تربط نفسها بمواقف الحكومة المتطرفة في إسرائيل، رغم أن بإمكانها استخدام منتقديها كغطاء سياسي؟ والإجابة عندي، هي أن القضية هي لوبي إسرائيل في واشنطن، لا موقف أغلبية اليهود الأميركيين، ولا حتى الموقف داخل إسرائيل نفسها!
ففي عام انتخابات رئاسية، لا يجوز أن يتوقع أحد أن يقف الرئيس الأميركي ضد إسرائيل. ورغم أن أوباما لديه هذه المرة غطاء سياسي صلب، متمثل في المواقف القوية المعارضة للسياسات الإسرائيلية، سواء بين اليهود الأميركيين أو داخل إسرائيل نفسها، إلا أن هذا لا يغير في الأمر شيئا. فالإسرائيليون المعارضون لسياسات نتانياهو، لن يشاركوا على أية حال في انتخابات الرئاسة الأميركية. ويعلم أوباما أنه سيحصل على أغلبية أصوات اليهود الأميركيين، لأسباب داخلية لا علاقة لها بموقفه من إسرائيل.
أما الجماعات المنظمة المؤيدة لإسرائيل في أميركا، فهي قادرة على تحويل حياة المرشح إلى جحيم من الجدل المستمر و«الشوشرة» على حملته، فضلاً عن أن بإمكانها إنفاق سيل من الأموال لصالحه أو ضده. ومن هنا، ستظل إدارة أوباما في هذا العام الانتخابي، عاجزة تماما عن الوقوف أمام سياسات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، مهما زادت الانتقادات الموجهة لها في أميركا وفي إسرائيل.
السؤال الذي يطرح نفسه إذاً، هو؛ هل تصبح انتقادات المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية لسياسات نتنياهو بلا جدوى، بفضل لوبي إسرائيل في واشنطن!