لم يكن الاتحاد العمالي العام في لبنان بحاجة إلى الإعلان عن إضراب عام في 3 أيار ــ مايو 2012، ليكتشف أن قيادة الاتحاد لا تعبر عن مطالب العمال، بعد أن ألحقت نفسها تبعيا بالقوى الفاعلة في الدولة اللبنانية. فجاء الإضراب هزيلا يعكس فقدان الأمل بقيادة الاتحاد من جهة، وعدم رغبة الحكومات اللبنانية المتعاقبة في إنصاف جماهير العمال، والفلاحين، وذوي الدخل المحدود، وشرائح الشباب، والنساء، والعاطلين عن العمل من جهة أخرى. لذلك أعطت الدعوة إلى الإضراب نتائج سلبية للغاية، على قيادة الاتحاد والحكومة اللبنانية معا. وارتفعت أصوات عمالية تطالب بتغيير قيادة الاتحاد، وخوض معارك مطلبية مكثفة، لإجبار الحكومة على إنصاف الفئات الشعبية التي تعاني من أزمات مستفحلة تهدد بانفجار اجتماعي كبير.

كان لعيد العمال في الأول من مايو 2012 أكثر من تفسير سياسي، واقتصادي، ونقابي، وعبر عن وجع وطني جامع لغالبية اللبنانيين. فقد كان عمال لبنان على الدوام طليعة النضال للتغيير الوطني الشامل، لأنهم يشكلون الفئات البشرية الأكثر اتساعا والأكثر قدرة على التغيير. وعندما كانت تلك الفئات توحد صفوفها وتتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية، كانت تحقق مكاسب اقتصادية واجتماعية كبيرة للعمال، وتعزز الأمن الاجتماعي الذي يحمي اللبنانيين.

فتاريخ الاتحاد العمالي في لبنان حافل بالتضحيات الكبيرة، وحقق إنجازات كبيرة أبرزها قانون العمل، والضمان الاجتماعي، والاعتراف بحق العمال في النضالات المطلبية التي رسخت مكتسبات للعمال، وحافظت على أموالهم المودعة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وعندما تفككت الحركة النقابية، تعرضت أموال العمال في الضمان الاجتماعي للسطو العلني من جانب أجهزة الدولة نفسها.

بيد أن المشكلات التي يعاني منها عمال لبنان في المرحلة الراهنة، تختلف جذريا عما كانت عليه سابقا. فلم تعد المطالبة بتحديد ساعات، بل تعدتها لإيجاد عمل لآلاف العمال والشرائح الشبابية والنسائية، التي تدخل سوق العمل كل عام وتبقى لسنوات تبحث عن عمل حتى لا تسلك طريق الهجرة إلى الخارج.

أما حصول العمال على مساكن شعبية فمطلب صعب المنال، وبات الهاجس الأساسي إبقاء العمال من أصحاب الدخل المحدود في منازلهم المستأجرة منذ سنوات. فقانون الإيجارات المقترح، يشرد مئات آلاف العائلات العمالية من بيوتهم.

نخلص إلى القول إن عيد العمال في هذا العام، تزامن مع ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة السوء. وأبرز تجلياتها تدني الأجور، وتراجع القدرة الشرائية بسبب التضخم، وارتفاع حاد في أسعار السلع والمحروقات ونفقات السكن والخدمات الصحية. وتفاقمت نسب البطالة في أوساط من هم في سن العمل، وطال التسريح الكيفي آلاف العمال دون تعويضات.

لم تعد غالبية أرباب العمل ينفذون القوانين الخاصة بالعمل ووقاية العمال، وتحديد الحد الأدنى للأجور بعد إدخال بدلات النقل في صلب الراتب، بالإضافة إلى كثرة تشغيل الأطفال والنساء في الأعمال الخطرة. وهم يرفضون دفع التعويضات المستحقة للعمال، أو تقديم الضمانات لهم للمعالجة عند الإصابة في العمل، أو تأمين الخدمات الصحية، ونفقات التعليم، وضمان الشيخوخة وغيرها. وتفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مؤخرا في لبنان، بصورة تنذر بكارثة كبيرة على الصعد كافة. واتسع حجم الإفقار لشرائح اجتماعية باتت تعيش عند حافة الجوع، وتعاني من سوء التغذية، والعجز عن إيجاد رغيف الخبز، والمسكن، وحبة الدواء.

في المقابل، تزايدت ثروات الطبقة الغنية، خاصة الشرائح التي تعتمد الربح السريع، وتتاجر بالمحرمات الممنوعة دوليا كالمخدرات، وتجارة الأسلحة، بالإضافة إلى المضاربات العقارية، واستغلال النفوذ، والسيطرة على مؤسسات الدولة، واستخدام الطائفية والمذهبية لتعميم الفساد والإفساد دون رقابة. وذلك على حساب بؤس الطبقة العاملة، ودمار الاقتصاد الزراعي، وتقلص حجم الطبقة المتوسطة، وزيادة نسب البطالة بين الشباب، خاصة الجامعيين منهم، وممارسة كل أشكال القمع السياسي والإرهاب السلطوي.

وأدت السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات اللبنانية المتعاقبة، منذ اتفاق الطائف عام 1989 حتى الآن، إلى خلل كبير في البنى الاجتماعية في لبنان. فباتت الطبقة الوسطى، التي كانت الأكثر اتساعا في المجتمع اللبناني قبل الحرب الأهلية، على طريق الانهيار السريع. وتهيمن الطبقة الحاكمة التي تتشكل من فئة ضئيلة جدا منتشرة بين جميع الطوائف، على نسبة كبيرة من الدخل القومي اللبناني، وتراجعت نسبتها من 4% عام 1961 إلى أقل من 1% في المرحلة الراهنة.

لكن نسبة ملكيتها زادت عما كانت عليه قبل الحرب، مما يؤكد تركيز الثروة في أيدي حفنة قليلة من أصحاب السلطة والنفوذ، الذين جمعوا ثروات طائلة بأساليب ميليشياوية، واستغلوا مؤسسات الدولة على نطاق واسع، وعطلوا القضاء وكل أشكال العقاب، وألغوا الحياة السياسية التي باتت مهزلة تمارس في البرلمان على مرأى من اللبنانيين، وتمسكوا بقانون 1960 لإجراء الانتخابات عام 2009، وهم يلوحون بتطبيقه مجددا في انتخابات 2013.

الشلل عام في جميع المؤسسات اللبنانية، وكاد اللبنانيون يفقدون الأمل في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بعد أن تحول لبنان إلى محميات طائفية ومذهبية، ومناطق نفوذ لأصحاب المال والسلطة.

وتواجه الطبقة العاملة في لبنان اليوم، مافيات سياسية واقتصادية لا حصر لها، أبرزها مافيا المحروقات، ومافيا الاحتكارات، ومافيا الأدوية، ومافيا المضاربات العقارية، ومافيا تجار الأسلحة، ومافيا الأغذية الفاسدة، بالإضافة إلى الاحتكارات المالية والاقتصادية. وانحازت الحكومات اللبنانية المتعاقبة بالكامل، إلى جانب قوى طائفية ميليشياوية تعتمد أسلوب المحاصصة والسطو على المال العام، وتقوم بكل أنواع السمسرة واستغلال النفوذ للسيطرة على الدولة ومؤسساتها.

في المقابل، تعيش الحركة النقابية اللبنانية ذات التاريخ المجيد في الدفاع عن حقوق اللبنانيين، مرحلة تفكك مريع. فهي ملحقة بصورة شبه تامة بالقوى الحاكمة، وتفتقر قياداتها إلى الكاريزما الشخصية، ونقاباتها إلى الشرعية العمالية، وتستخدمها الطبقة الحاكمة لشق الحركة النقابية ومنعها من التوحد. فبات الاتحاد العمالي العام في الموقع النقيض للنضال النقابي، وهو يلجأ إلى إضرابات موسمية هزيلة لكي يدعي تمثيل عمال لبنان. لذلك مضت عقود طويلة، دون أن يحقق لعمال لبنان وفلاحيه وشبابه ونسائه سوى مكتسبات هزيلة.

ختاما، تسود الأوساط العمالية في لبنان موجة عارمة من النقمة على الاتحاد العمالي، الذي أهمل النضال المطلبي وفضل أسلوب التنازلات للطبقة السياسية الحاكمة، بحثا عن فتات مكاسب تتبخر بسرعة. ولا بد من قرار نقابي جريء، لتصويب مسار الحركة النقابية على أسس ديمقراطية سليمة تحافظ عل استقلالية قرارها، لكي تستعيد دورها النضالي والوطني الجامع.