يتساءل السوريون المعتدلون والمتطرفون أنه حتى لو فشلت الثورة، واستطاعت السلطة القضاء عليها، فكيف يمكن أن يحكم رجال السلطة شعباً قتلوا منه وجرحوا وسجنوا الكثيرين، وما زال في زنازينهم الكثيرين، وزاد عدد المهجرين داخلياً من بيوتهم ومدنهم وقراهم إلى بيوت ومدن وقرى أخرى على عشرات الآلاف، فضلاً عن عشرات آلاف اللاجئين في بلدان مجاورة (الأردن، لبنان، تركيا).

إضافة إلى أن الرافضين للنظام السوري يحملون قوات الأمن والقوات المسلحة وزر ومسؤولية نهب عشرات آلاف البيوت والسيارات أو حرقها وتدميرها ويقولون أن المسروقات من كل نوع تباع في شوارع المدن جهاراً نهاراً وبأسعار رمزية).

فكيف بإمكانهم إذن أن يحكموا بلداً أوقعوا فيه كل هذه الكوارث، ثم إنهم، أي أهل السلطة، يتحملون_ حسب رأي المعارضة السورية _ مسؤولية ردود الفعل على سياستهم الأمنية العنفية، التي أخذت نتائجها تظهر منذ الشهر الخامس للثورة، كحمل السلاح، وانشقاق الجيش (وتشكيل ما سمي بالجيش الحر) وعسكرة الصراع.. فهل من عمل هذا، ومازال يعمل مثله، له الرغبة أو القدرة ليستمر في الحكم، وهل لم يبق لديه بعض الحكمة والمحاكمة والتعقل التي تمنعه من تبني مثل هذا الخيار؟.

في الوقت نفسه، كان من الممكن أن تلعب المعارضة السياسية السورية دوراً هاماً، يجعل الخروج من الأزمة وحلها ممكناً، وهو أن تقوم بدور الجسر والإشراف على المرحلة الانتقالية من خلال وحدتها، وقبل ذلك وضع برنامج واضح ومفصل لمواجهة السلطة والنظام الشمولي، بالتنسيق فيما بينها، وبالتفاهم والتعاون (والتلاحم) مع الحراك الشعبي، بما يصل إلى مرحلة تشكيل قيادة موحدة منسجمة، تنسق النضال وأساليبه وحراكه، وتواجه السلطة بالوسائل التي تراها مناسبة، بما يكفل تصدعها وسقوطها، أي أن تمتلك القدرة على إدارة عملية المعارضة وقيادة الثورة. إلا أنه.

وبسبب ظروف عديدة بعضها موضوعي ومعظمها ذاتي، هرب المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج) إلى الأمام، واستسهل استدعاء التدخل الأجنبي، الذي كان يعتقد أنه في متناول اليد، وأهمل التنسيق والوحدة مع أطياف المعارضة الأخرى.

ولم يضع برامج سياسية وخططاً بديلة أو موازية لهذا الهدف، واكتفى بشعارات لا يتبناها سياسي حكيم يتصرف بمسؤولية، وكأن شعاره الرئيس (إننا نتبنى شعارات الحراك الشعبي ونمثله) بدلاً من أن يعمل على قيادة هذا الحراك، المظلوم المقموع والمقهور، والذي لا يمكن له أن يضع شعارات تصلح لتكون أساساً لبرامج سياسية، وما أن فشل طلب التدخل الخارجي، حتى تعمقت الخيبة في نفوس جماهير الثائرين.

ولم يجد المجلس الوطني بداً من أن يستسلم لطلبات الآخرين غير السوريين، خاصة وأنهم الممولون، وقادة الدعم السياسي للمجلس، ومالكو وسائل الإعلام التي تشيد به وتكرس وجوده وتضخم دوره، ولذلك لم يستطع المجلس ومؤسساته ومعظم أعضائه سوى الاستجابة لرغبات هؤلاء الداعمين، وهكذا ساهم فعلياً بتدويل الأزمة، ولم يعد للشعب السوري دور في حلها.

ومن طرف آخر، لم تستطع هيئة التنسيق في الداخل (المعارضة الداخلية)، عقد الصلات الجدية مع الحراك الجماهيري، ومع التنسيقيات، وإقناعها أن الأمر ليس أمر شعارات بل موضوع برامج وأساليب نضال، وبقي تاريخ أحزاب هيئة التنسيق العشرة، وآلامها التاريخية تسحقها، حتى كادت أن تلغي فعاليتها، رغم برنامجها السياسي المتوازن الذي استطاع منذ الأيام الأولى لتأسيسها فهم الأزمة، واستيعاب معطياتها، ووضع الإطار العام لمعالجتها، وهكذا كانت هيئة التنسيق أيضاً متواضعة الفعالية والتأثير.

ربما لهذا كله، لم يثق الأمريكيون والأوروبيون وأعوانهم من الدول الأخرى بنجاعة المعارضة السورية (الداخلية والخارجية) وبأنها (ستجلب الترياق من العراق) كما فشلوا في تدبير انقلاب من داخل أهل النظام، يسقط السلطة، ويشرف على المرحلة الانتقالية لتمر بأمان.

و يبدو أنهم يراهنون الآن على أن يستطيع (جيش سوريا الحر) القيام بهذه المهمة، فيوحد أطرافه ويتسلح ويبدأ صراعاً عسكرياً، ويتولى السلطة في المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام، وينحي المعارضة السياسية جانباً على مختلف فصائلها اليسارية والقومية والإسلامية، لتبقى الخيوط بيد الأمريكان والأوروبيين.

بقي أن نشير إلى الرغبات الإسرائيلية، التي تريد قبل أي شيء ضمان قبول النظام السياسي السوري المقبل بما قبل به النظام الحالي، أي أن يستمر الهدوء على حدودها الشمالية، ويغض الطرف عن تحرير الجولان، كما تريد ضماناً آخر هو أن يتم تدمير سوريا (الدولة، والمؤسسات) العسكرية والاقتصادية والاجتماعية نتيجة صراع عسكري بين الجيش النظامي والجيش الحر. كما دُمر العراق ودُمرت ليبيا، على أن لا تقوم لسوريا قائمة خلال عشرات السنين، أي أن لا يتم الاكتفاء بتدمير السلطة الحاكمة فقط.

فهل ستبقى المعارضة السورية متشظية بدون تنسيق جهودها وبدون الاتفاق على برنامج موحد، وامتلاك القدرة على قيادة الشارع، وعلى مصارعة النظام وجهاً لوجه؟ وهل يعود حل الأزمة السورية ليد السوريين بدلاً من التدويل، كما ينبغي أن يكون الحال؟ وهل سيبقى أهل السلطة راكبين رؤوسهم يجرون الأمور للتدويل والتدخل الخارجي بسبب سوء رؤياهم ؟.

إنها تساؤلات، وإن بدت ساذجة، فإن الجواب عليها يشكل إطاراً لأي حل مقبل للأزمة السورية.