ترى، هل هي الصورة التي فقدت تأثيرها، أم هي مشاعرنا التي تبلدت فلم نعد قادرين على الإحساس بالصور والتأثر بها؟
في الثامن من شهر يونيو عام 1972، كانت الطفلة الفيتنامية الجنوبية «كيم فوك» تختبئ مع عائلتها في معبد قريب من قريتها «ترانغ بانغ"، بعد احتدام المعارك بين ثوار «الفايت كونغ» الشماليين الذين تقدموا نحو القرية، وجنود فيتنام الجنوبية الذين جاؤوا لصد هذا الهجوم. كان أزيز الطائرات يشق سماء القرية في اللحظة التي خرجت فيها «كيم» وإخوتها وأبناء عمها من المعبد، بعد أن أمرهم الجنود بمغادرة المكان خوفاً من امتداد المعارك إليه.
تصف «كيم» تلك اللحظة قائلة: «رأيت طائرات تطير على ارتفاع منخفض، ثم شاهدت سقوط أربع قنابل، فاشتعلت النار في كل مكان حولي، وبعدئذ رأيت النيران تشتعل في جسدي، ولا سيما يدي اليسرى بعد أن احترقت ملابسي. لقد بكيت وهربت من النار، وكانت معجزة أنّ رجليّ لم تحترقا، لهذا تمكنت من الفرار".
كان المنظر أشبه ما يكون بمشهد سينمائي من فيلم هوليوودي بالأبيض والأسود؛ خمسة أطفال يرتسم الذعر على وجوههم، يجرون باكين في الشارع الذي تشققت أرضيته، من بينهم «كيم» ذات الأعوام التسعة، عارية تماماً من ملابسها التي احترقت، وآثار الاحتراق واضحة على يدها اليسرى، خلفهم أربعة جنود بملابسهم العسكرية وخوذهم وأسلحتهم، وعلى جانبي الشارع تبدو الأرض بما عليها من زرع كالحة أو شبه محروقة، بينما يحجب بقية المشهد وراءهم دخان القنابل التي أسقطتها الطائرات والغبار الذي أثارته هذه القنابل، كأننا نشاهد لقطة من فيلم «اليوم التالي"، الذي قدم سيناريو متخَيّلا لما يمكن أن يحدث للبشرية في اليوم التالي لاندلاع حرب نووية.
كان يمكن أن يمر هذا الحدث دون أن يعرف عنه أو يتذكره أحد، حتى في فيتنام نفسها، مثلما مرت أحداث كثيرة ربما تكون أكبر مأساوية وفظاعة منه، لولا أن هيأ الله له مصور وكالة الأسوشيتدبرس «نك أوت»، الذي التقطت عدسة كاميرته تلك اللقطة لتصبح واحدة من أشهر الصور في العالم، ويصبح «نك» منقذ الفتاة التي وصلت إلى حيث كان المراسلون الصحافيون، وهي تحمل آثار الصدمة التي تعرضت لها نتيجة الموقف العصيب الذي عاشته، ليضعها «نك» في سيارته وينقلها إلى أحد المستشفيات، حيث مكثت 14 شهراً، خضعت خلالها لسبع عشرة عملية جراحية، قبل أن تتمكن من العودة إلى أهلها.
قام «نك» بتحميض الفيلم الذي صوره، وأرسل الصورة إلى الوكالة التي يعمل لحسابها، فكيف تعاملت معها الوكالة؟ يقول المصور الذي كتب اسمه في سجل المصورين الأشهر، بعد هذه الصورة التي خلدت تلك اللحظة وهزت العالم عند نشرها:
«في البداية لم تعجب الصورة مسؤولي الوكالة لأن الطفلة كانت عارية، لكنني عندما قلت لهم إن القرية التي كانت فيها تعرضت للنابالم، وإن ثيابها احترقت، اختلف الوضع وسمح بنشرها". وقد حصل «نك» عام 1973 على جائزة «بولتزر» التي تمنحها جامعة «كولومبيا» في نيويورك بالولايات المتحدة، على هذه الصورة.
أما «كيم» فقد عادت إلى المدرسة، وغدت محل اهتمام الإعلام العالمي بها، حيث أخذ الصحافيون يتوافدون عليها لإجراء مقابلات معها، ثم أكملت دراستها في جامعة «هافانا» في كوبا، وهناك تعرفت على طالب فيتنامي تزوجته وأنجبت منه طفلين. تقيم «كيم» حالياً مع زوجها وطفليهما في كندا، وقد عينتها اليونسكو عام 1997 سفيرة للنوايا الحسنة، وأسست جمعية لمساعدة الأطفال ضحايا الحروب.
ترى، ما الذي كان سيحدث لو أن «نك أوت» لم يكن موجوداً في اللحظة المناسبة والمكان الصحيح، عندما كانت «كيم فوك» ورفاقها يجرون في الشارع والطائرات الأميركية تقصفهم؟ ربما لن يعرف العالم «كيم» ورفاقها الذين كانت قنابل النابالم تلقى عليهم وهم يجرون والرعب بادٍ على وجوههم، ولن تحظى تلك الصورة بكل الاهتمام الذي حظيت به، إلى درجة أن الرئيس الأميركي الأسبق «ريتشارد نيكسون» شكّك في كونها حقيقية.
ولن يتقدم الطيار الأميركي «جون بلامار» الذي قصف قرية «ترانغ بانغ» من «كيم» عندما زارت الولايات المتحدة عام 1996، باكيا ليقول لها: هل تسامحيني؟ فترد عليه: نعم. ثم تعلق قائلة: «إن التسامح أقوى بكثير من أي سلاح في العالم».
نعود لنطرح السؤال من جديد: ترى، هل هي الصورة التي فقدت تأثيرها، أم هي مشاعرنا التي تبلدت فلم نعد قادرين على الإحساس بالصور والتأثر بها؟
لا شك في أن عالمنا اليوم يزخر بآلاف الصور التي لا تقل بشاعة عن صورة «كيم فوك» وهي تجري محترقة في شوارع «ترانغ بانغ»، ولا شك في أنه يزخر بكاميرات ملونة أكثر جودة من كاميرا «نك أوت» التي التقطت تلك الصورة باللونين الأبيض والأسود.
ولا شك في أنه يزخز بآلاف المصورين الذين يقفون على أهبة الاستعداد على مدار الساعة لالتقاط الصور ونشرها على المواقع الإلكترونية، وبثها عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومن خلال القنوات الفضائية التي لم تعد تتمسك بشروط جودة الصورة الملتقطة، مقابل أهمية اللقطة التي يقتنصها جهاز الموبايل وينقلها برنامج المحادثة «سكايب» لتتصدر نشرات الأخبار.
صور أكثر بشاعة من صورة «كيم فوك» التي أصبحت أيقونة من أيقونات فن التصوير الصحفي، لكنها لم تعد تحرك مشاعرنا، مثلما حركت صورة «كيم» مشاعر العالم قبل أربعين عاماً، وكرّست حرب فيتنام واحدةً من أكثر الحروب بشاعة وعبثية، ومستنقعاً خرج الأميركيون منه منقسمين حول ما إذا كان يجب على بلادهم أن تتورط في تلك الحرب أم لا، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها فيها، بشرياً ومادياً ومعنوياً، وبعد الهزيمة التي تعرضت لها على أيدي ثوار مؤمنين بقضيتهم، مثلما هو حال كل الثوار في العالم، قديماً وحديثاً.