لعله من الواجب في مواجهة الحملة الشرسة التي تشنها بعض وسائل الإعلام الغربية للتنديد بإغلاق حكومتي أبوظبي ودبي مكاتب منظمات غير حكومية ممولة أميركيا وأوروبيا، أن يتساءل المرء هل كانت الإمارات العربية على حق في إغلاقها دون إعارة التفات إلى دموع التماسيح التي تتباكى على حقوق الإنسان ودمقرطة العرب؟.
إن القرار من أعمال سيادة القانون في دولة عرفت به طويلا وكان سببا مباشرا من أسباب ازدهارها الأدبي والاقتصادي، ولم يكن ليجد طريقه لولا مخالفة جسيمة تمس الأمن القومي للبلد، وهو ما تم التعبير عنه بلغة إماراتية راقية «خالفت شروط ترخيصها». يعن لنا ان نتساءل بداية ما الدافع الرئيس لتلك المنظمات ولماذا تسمى غير حكومية.
وهي التي تحصل على التمويل من دافعي الضرائب الأميركية؟ ليس هذا فقط بل انها تعمل في ظل توجيهات وضعتها وزارة الخارجية الأميركية ووكالات أميركية أخرى؟. الجواب يتمحور في انها اذرع خفية في الجوهر علنية في المظهر لتحقيق أجندات أميركية.
لا يتسع المقال هنا للتأصيل لجذور المعهد الديمقراطي الذي تم إغلاقه بقرار سيادي إماراتي، ولكن لابد من الإشارة إلى انه احد أربعة فروع تمثل ما يعرف بالهيئة الديمقراطية الأميركية NED والتي كان هدفها الأول في سبعينات وثمانينات القرن الماضي مواجهة التيار الشيوعي وسحقه.
وعليه فهي امتداد للأعمال السرية لأجهزة الاستخبارات الأميركية وان اختلفت الأسماء في الظاهر، وتلخص فلسفتها في الشعار التالي «ما هو في صالح أميركا هو في صالح العالم». في دراسة مفصلة للكاتب والباحث الفرنسي «تيري ميسان» إشارة إلى الفروع الأربعة السابقة الذكر وهي: المركز الأميركي للتضامن مع العمال، ومركز المؤسسات الخاصة الدولية، والمعهد الجمهوري الدولي.
والمعهد الديمقراطي للشؤون الدولية. والشاهد أن مصر تحديدا كان لها موقف مماثل من مثل هذا المعهد، غير ان المرء يتفهم بعض الأسباب لذاك الذي جرى من قبل تلك المؤسسات في مصر، وان كان يرفضها، في الأصل من حيث انها شكل من أشكال التدخل الخارجي، بمعنى ان أحوال التنمية البشرية ومستوى الدخل، ووجود الأقليات، والصراعات السياسية، جميعها تتيح لها مجالا للعمل، لكن ما الذي يوجد في الإمارات من هذه؟.
تؤكد حقائق الحال ان مستوى التنمية هناك من أعلى المستويات حول العالم، والمرأة الإماراتية شريك فاعل في نهضة الدولة ومتقدمة في كافة الوظائف العامة والخاصة، والأقليات لا اضطهاد عرقيا لهم، أما عن التسامح الديني فحدث ولا حرج، وهو أمر يقر به القاصي والداني، وحركة الإعلام في الإمارات باتت العنوان الأمثل للحريات العربية.. في هذه الأجواء يتساءل المرء من جديد. ما الذي دفع تلك المؤسسات للتواجد هناك؟ وإذا كانت حكومة الإمارات قد سمحت بذاك الوجود فلماذا تجاوزت حدودها؟
إن هناك مخالفات جسيمة وأهدافا مستقبلية غير وطنية لهذا المعهد وغيره، غير ان الإمارات استشرفتها وعن حق مبكرا، ولم تحل صداقتها مع الولايات المتحدة أو بعض دول أوروبا من إغلاقها، وهذا حق دستوري لها، حال مجرد الشك في أنها تلعب دورا غير صالح شعب الدولة. لا نقول إن التاريخ مؤامرة، لكن تبقى المؤامرة دائما وأبدا ساكنة في قلب التاريخ.
وواشنطن التي تراجعت عن استخدام القوة الصلبة مؤخرا وبعد مأساة العراق تحديدا تتحايل على العالم من خلال القوة الناعمة وفي مقدمتها أمثال تلك المعاهد والمراكز البحثية والدراسية. هل ما نقول به نظرة غير واقعية وبعيدة عن ارض الواقع؟ وماذا عن شهادة الأميركيين أنفسهم في هذا السياق؟
احدث الكتب الصادرة مؤخرا في واشنطن بعنوان «أحزان الإمبراطورية.. النزعة العسكرية والسرية ونهاية الجمهورية» ومؤلفه «تشالمرز جونسون» المستشار السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، والأستاذ غير المتفرغ للعلاقات الدولية في جامعة كاليفورنيا، يؤكد ان الولايات المتحدة تتناقض مع نفسها حين تتكلم عن نشر الديمقراطية رغم كونها إمبراطورية تمارس أشكال الاستبداد وانه منذ 2001 أصبحت أميركا إمبراطورية حقيقية، تسعى لتأصيل وجودها عبر كافة الطرق المشروعة وغير المشروعة.
ويكفي أنها تراقب أكثر من نصف ما تتبادله الشعوب من رسائل بالفاكس أو البريد الالكتروني، وان وصايا البروفيسور جيمس ناي لها باللجوء إلى أدوات الاختراق السهلة واللينة وتعمل بالتساوي مع بوارجها الحربية وصواريخها العابرة للقارات.
هل يعني قرار الإمارات السيادي الأخير ازدراءها لفكرة العمل الاهلي؟ قطعاً لا، والدليل وجود مؤسسات عديدة تباشر أعمالا إنسانية واجتماعية وثقافية في كافة أرجاء البلاد، لكنها تلتزم بحدود ما هو انساني وقانوني وتبقى مرحبا بها أمس واليوم والى الأبد. أحسنت سلطات الإمارات فعلا، ولا نميط اللثام عن أسرار بالقول انها قطعت الطريق على أناس يعشقون العمل في الخفاء وكملوك البربون لا ينسون شيئا ولا يتعلمون شيئا، وهذه هي طبيعة أميركا المرائية.