يبدو أن من أطلق صفة (سلطة إضاعة الفرص) على السلطة السورية لم يكن مخطئاً، فقد أضاعت هذه السلطة خلال اثني عشر شهراً من انطلاقة الحراك الشعبي ثم الثورة عديداً من الفرص، وسيطرت مبكراً على سياستها وسياسييها أفكار وآراء مسبقة وغير واقعية ولا صحيحة ولا تصلح لمعالجة بداية أزمة واضحة الخطورة منذ يومها الأول. فبدلاً من أن تنتبه السلطة إلى أن هذه الانطلاقة أتت في إطار حراك عربي شامل، وبعد سقوط نظامين سياسيين في تونس ومصر وبدء الثورة على نظامين آخرين هما ليبيا واليمن، وبدلاً من أن تدرك أنها نتاج شرط موضوعي لا ينبغي معالجته بخفة واستخفاف، قالت عن الحراك منذ الساعات الأولى، أنه من فعل مندسين، وعصابات ومتمردين، ومتآمرين، ومدفوع بقوى أجنبية.

وبالتالي، فإن الرد عليه كان حسب رأي السلطة ليس بدراسة دوافعه الحقيقية، وتفعيل الحوار بين السلطة وأطرافه، وإنما يكون بالرد بالقمع (والقتل والقضاء على التمرد والتآمر وغير ذلك وهذا ما فعلته)، ولذلك استخدمت منذ اليوم الثاني أو الثالث لانطلاقة الحراك، آلة القمع المسلحة، وفتحت الطريق للحل الأمني من أوسع أبوابه، لأن الفاعل الأساس في اتخاذ القرار كان أجهزة الأمن الأثيرة لديها أساليب القمع، ورغم أن معظم الأحزاب المعارضة والشخصيات الوطنية السورية والمحللين السياسيين أشاروا بوضوح إلى أن الأمر ليس تمرداً ولا من فعل مندسين أو مؤامرة خارجية وإنما هو تعبير عن أزمة سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية في النظام السياسي بل وفي المجتمع.

ويحتاج علاجه إلى عقد مؤتمر وطني يضم كافة فئات الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقواه الحية ومؤسساته الأهلية والمدنية وأحزابه السرية والعلنية وغيرها، باعتبار أن هذا المؤتمر هو الطريق الوحيدة لتشخيص أسباب الأزمة واقتراح الحلول، لكن التمسك بالسلطة والجشع وقصر النظر السياسي وعدم الشعور بالمسؤولية الوطنية، والجهل والأمية السياسية لدى بعض أهل السلطة ومستشاريهم، ونقص خبرتهم، واستسهالهم للحل الأمني.

وغير ذلك، جعل السلطة لا ترى الأزمة ولا أسبابها ولا تتلمس حلولها، بل زاد الطين بلة، أنها أوحت بوجود دوافع طائفية وراءها، في الوقت الذي كان فيه الحراك الشعبي يهتف (واحد واحد واحد الشعب السوري واحد) فضلاً عن اعتقادها بوجود أسباب اقتصادية دون غيرها، فزادت الرواتب ووعدت (بمكرمات) جديدة، لكن الرد الشعبي كان حاسماً ورافضاً لكل هذه التفسيرات والحلول.

المدقق بشعارات شرارة الانتفاضة الأولى يلاحظ أنها كانت بسيطة، وتنم بوضوح عن العفوية وعدم وجود برنامج سياسي شامل ومتكامل لدى المنتفضين، وأنها لم تقطع مع النظام أو ترفضه مسبقاً، بل كانت موجهة أساساً ضد الفساد والقمع والقهر والإذلال وأجهزة الأمن (نادت بالكرامة كهدف رئيس) إلا أن تجاهل السلطة، واتهاماتها، وإصرارها على وجود عصابات مسلحة (حيث أكدت وسائل إعلامها وجود أسلحة في الجامع العمري بدرعا وعرضتها بواسطة التلفزيون)، وقد دهش أهل درعا من هذه التهم، فرفعوا مستوى شعاراتهم وبدأ تسييس هذه الشعارات، فأخذوا يطالبون بالحرية، واستمرت أجهزة السلطة في استخدام وسائل الحل الأمني ما أدى إلى انتشار الحراك الشعبي في محافظات أخرى من جهة وتعميق الشعارات لتصبح شعارات سياسية واضحة على رأسها المطالبة بإصلاح النظام السياسي.

لم يتعظ أهل النظام ومستشاروه، واستمروا بتجاهل أسباب الأزمة، وبرفض التخلي عن امتيازاتهم في الاستبداد والهيمنة على السلطات جميعها، وزادوا عمليات القمع، فرد الشعب والحراك الشعبي، بشعارات متطرفة على رأسها المطالبة بإسقاط النظام، وهذا ما أصاب أهل النظام بالذعر، وأطلقوا كل ما يملكون من وسائل القمع، دون أن ينتبهوا إلى أن هذه الوسائل تزيد الحراك اشتعالاً وتحوله إلى ثورة، مع الإصرار على رفض أي حوار جدي أو حل سياسي، وتفويت فرص المصالحة الوطنية، وإصدار قوانين سميت (إصلاحية) وهي في الواقع لا علاقة لها بالإصلاح، ولم تمس المشكلة الأساس أي إشراك الناس في السلطة والثروة.

إن إمعان السلطة في إجراءاتها القمعية أدى إلى اتساع الحراك الجماهيري وتحوله إلى ثورة، وبداية تدخل عربي ودولي في الشؤون السورية، ومحاولة إيجاد حل للأزمة التي اتسعت (واستعصت)، وبقوا عملياً خارج اللعبة، غير مدركين ما يجري، أو مستوعبين آفاق تطوره المقبل أو نتائجه، فرفضوا واقعياً مبادرات الجامعة العربية الأولى والثانية مع أن كلا منهما كانت تشكل خشبة خلاص للنظام، يحفظ له ماء الوجه، كما رفضوا عملياً أيضاً عديداً من المبادرات الدولية، أو اقتراحات جهات عديدة منها جهات صديقة (كروسيا وإيران والصين) ولم يتصوروا أنه ينبغي التراجع.

وأن الظروف غير الظروف، والحال غير الحال، إلى أن وصلت السلطة إلى قطيعة مع الشعب من جهة ومع العرب من جهة ثانية ومع الشرعية الدولية من جهة ثالثة بل ومع معظم دول العالم من جهة أخيرة، وما زالت ترفض المبادرات كلها، وتحاول أن (تتمشطر) وتناور وتعتقد أن سلوكها هذا هو نوع من أنواع (التكتيك) مع أنه في الحقيقة قراءة بعيدة عن الحكمة والتعقل، ومواقف سياسية خاطئة تعتمد على مشاعر ذاتية ولا تأخذ باعتبارها الشرط الموضوعي الداخلي والخارجي.