هيهات يا أهل مصر ماذا تريدون؟ وعن أي ديمقراطية تتكلمون؟! أعلم تمام العلم أخلاق المصريين وحلمهم، وأعرف عاداتهم وتقاليدهم، وألم بمبادئهم وأخلاقهم، وأدرك نعرتهم الخفية التي قد تجعل بعضهم يردد الآن في نفسه: لم يبق سوى "أبو قترة" أي "غترة" (غطاء الرأس) وجلابية، ليوجهنا أو يتكلم في مصالحنا.
ولكن أطلب منكم السماح والتصريح لي للخوض في الحديث في بعض شأنكم، لأن مصر عهدناها أم الدنيا، وواجب على الأبناء حماية أمهم، ليس حباً لها فحسب، وإن كان حبها واجبا وهو حقيقه وصدق، ولكن أيضاً خوفاً على مصالحنا المشتركة والشخصية، الآنية منها والمستقبلية، فمصر دائماً هي القدوة والقيادة والمصدرة الأولى لمعظم الآراء والأفكار، وهذا الدور الريادي لمصر لا ينكره إلا حاقد أو على أفضل تقدير شخص غير ملم بالأوضاع والتاريخ.
وعلى كل، لن أطيل في مدح مصر واستجلاب رضى أهلها عليّ، فهي ليست بحاجة لذلك وهم ليسوا ممن "ينضحك عليهم بكلمتين"، فيعرف المصريون أنهم هم من "خرموا التعريفة" و"باعوا الهوى دوكو" وغير ذلك.
ولكن.. ولأبدأ من أول السطر.. لقد قامت الثورة المصرية في 25 يناير 2011، كثورة سلمية ترتب عليها تغيير النظام، وأساس هذا التغيير هو المطالبة بالحرية والديمقراطية، ولا أشك أو أزعم أن العالم سيدوّن الثورة المصرية تلك في مدوناته التاريخية، ربما أكثر من الثورة التونسية التي كانت شرارة الثورات العربية التالية، ليس لشيء إلا للدور الريادي الذي أشرت إليه لمصر المحروسة.. وقد كان للشعب ما أراد، وتحقق فيهم قول الشاعر (التونسي):
إذا الشعب يوماً أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب القدر.
وقد استجاب لهم القدر، وبسرعة مهولة لم يتوقعها الشارع السياسي أجمع، ولكن ولفطنة وحنكة السياسيين المصريين وقيادتهم الرصينة، عملوا على عدم الإسراع في نقل البلاد من وضع إلى وضع، بل بالتدريج والسياسة والحكمة، حتى وصلوا اليوم إلى مبتغاهم بإجراء انتخابات التشريعية، وفتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، ولكن ما الذي حدث؟!
ما كاد يترشح للرئاسة بعض من يطلق عليهم رموز النظام السابق، حتى قامت الدنيا ولم تقعد في الشارع المصري، لم ذلك؟! ليس لسبب عقلاني سوى خوف البعض من اعتلاء هذا الرمز أو ذاك لمنصب الرئيس، وخوفهم بالتالي من تصفية حساباتهم معهم.
وسؤالي الذي أطرحه كمتابع للأوضاع السياسية في العالم العربي في الوقت الراهن؛ ما هي المشكلة لو ترشح أحد هؤلاء الرموز السابقين لمنصب الرئيس وفاز بالمقعد، حتى وإن كان الرئيس السابق حسني مبارك أو أحد أنجاله؟! وذلك ما دامت الانتخابات نزيهة وشفافة، خاصة إن ثبتت براءتهم أو براءة بعضهم أو أن بعضهم لم يحاكم من الأساس لعدم توجيه اتهام له؟ ألستم أنتم من طالبتم بالديمقراطية؟.. أم أنها ديمقراطية مفصلة على القد والحد؟!
ليتكلم العقلاء وليصمت البلهاء.. وليلزم كل شخص حده، ويعرف فيمَ يتكلم وبمَ يطالب، فخروج مظاهرات مليونية أو شبه مليونية، لا ينم إلا عن فوضى وغوغائية يرفضها العقل والمنطق السليم، وذلك لأن المتابع يستشعر أن أحوال مصر باتت تدار بالمظاهرات المليونية.. فلو كان الله تعالى رزقكم يا مصريين مليون متظاهر، فاعلموا أن أربعة وثمانين مليون مصري آخر لم يشاركوكم هذه المظاهرة، فالعقل العقل، والسلامة السلامة، ولا تجعلوا أنفسكم عرضة للاستهزاء والسخرية من العالم من حولكم، فأنتم الذين طالبتم بالاحتكام إلى الصناديق، فاتركوا الصناديق تنطق بما فيها، ولا تعملوا على إرهاب الناس وترهيبهم على أمنهم واستقرارهم، فوالله ليلعننكم التاريخ لعناً على ما ضيعتم وأضعتم من مبادئ الحرية والديمقراطية الحقيقية، لا التي تنشدون.
لقد راهنت منذ بداية الثورة المصرية، ويعرف ذلك كل القريبين مني، أن الثورة لن تصل بنتائجها لمبتغاها، ولذلك كنت أنشد أن يبقى الحال على ما هو عليه خيراً مما تشهده مصر اليوم من فوضى وعدم استقرار سياسي أو أمني أو قضائي، وهذا بداية انهيار أي قوة أو دولة أو سيادة، وذلك لأنني أعرف طبع العرب تمام المعرفة، فالواحد منهم لن يرضى بالنتائج التي يصل إليها غيره، وإن كانت بالأغلبية، فراهنت على أن الرئيس القادم لو فاز بنسبة 90%، لخرج عليه الـ10% الباقون وأربكوه طوال مدة رئاسته إن أكمل الأربع سنوات المقررة، أو قبلها، وذلك للنزعة والنعرة الكاذبة فينا نحن العرب، من حب السيادة والمشاكسة على الفاضي والمليان.
يا مصريون لا تحسدوا أنفسكم على أن الله ضاعف عددكم وبارك في نسلكم، فإن أنتم خمسة وثمانون مليون نسمة، وبالتالي إذا ما قام منكم نسبة 1%، أي 850 ألف نسمة شكلوا خطراً على الشعب ومصالحه، ولكن ليراعي هؤلاء أن هناك 99% من الناس في مصر مستقري الحال ويطلبون وينشدون الاستقرار والأمان. فالله الله يا عقلاء مصر، خذوا بأيديكم على أيدي إخوتكم ولا تتركوهم يخوضوا ويلعبوا، لتكن هناك دعوة لسماع صوت العقل والمنطق، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره".
فلماذا السكوت عن الحق وكتمانه في القلب، وإعمال سياسة "يا راجل أنا عاوز أعيش".. فبهذه الحال لن تعيش ولن يعيش غيرك، ثم نأتي بعد عقود من الزمان ليقوم أولادكم بثورة جديدة.. وهكذا دواليك، ولن تستقر البلاد ولا حال العباد لأنكم أردتم أن تعيشوا اليوم وترضون بالواقع، ونحن نحمل على أيديكم ونقول فلتعيشوا بكرامة ونزاهة، والله ثم والله ويشهد الله على قسمي هذا، أنني جلست مع إعلاميين مصريين جلسات خاصة، يسبون ويلعنون فيها الثورة والشباب والوضع الراهن. وليعذرني هؤلاء الزملاء، ولكن كلمة الحق لا بد أن تقال، ثم أراهم على شاشات التلفزة يناصرون الثورة والشباب والوضع القائم.
وفي هذا المقام أذكر نفسي وإياهم وإياكم، بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". من هذا المنطلق أعملت قلمي ولساني وكتبت مقالي، رغم علمي بحمل كثير من المصريين في خاطرهم عليّ، وليكن الله من وراء قصدي وهو شاهد ومطلع عليه.