بعد أكثر من عام على بداية الأحداث الدموية في سوريا، نجح مجلس الأمن الدولي في 14 نيسان (إبريل) 2012 في إصدار القرار 2042، الذي نص على إرسال مجموعة مراقبين دوليين، غير مسلحين، تنحصر مهمتهم في الإشراف على وقف إطلاق النار الذي دخل أسبوعه الثاني.
وفي سياق متصل، تبنى مجلس الأمن بالإجماع القرار 2043 بتاريخ 21 نيسان 2012، بعد تنازلات متبادلة من مناصري النظام السوري ومعارضيه في المجلس، وصولا إلى حل وسط يحدد عمل بعثة المراقبة الدولية في سوريا، لمراقبة وقف العنف المسلح وتطبيق كامل بنود خطة كوفي أنان. وبموجب القرار الجديد، خول الأمين العام للأمم المتحدة صلاحيات تقييم التطورات الجارية في سوريا، ونشر ثلاثمائة مراقب لمدة تسعين يوما، والتحقق من التزام كل من الحكومة السورية والمعارضة بوقف العنف بصورة تامة، والدخول في مفاوضات مباشرة لإنهاء الأزمة السورية.
صدر القرار بعد مفاوضات صعبة، بسبب تمسك مندوبي روسيا والصين بمبدأ الحفاظ على سيادة الحكومة السورية على كامل أراضيها، ونال موافقة الحكومة السورية والمعارضة معا لتنفيذ خطة المبعوث الدولي كوفي أنان. وهو أول قرار دولي يصدر بالإجماع عن مجلس الأمن بشأن الأزمة السورية، فأعطى الضوء الأخضر لنشر مراقبين غير مسلحين في سوريا، ونشر الأمل مجددا بحل الأزمة السورية بالطرق الدبلوماسية دون سواها.
طالب المجلس السلطات السورية بدخول المساعدات الإنسانية فورا إلى جميع المناطق السكنية التي تحتاج إلى مساعدة، ودعا الأطراف السورية المتنازعة، الحكومية منها والمعارضة، إلى التعاون الكامل مع الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية التابعة لها، لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
حمل القرار تطورا إيجابيا، لكنه أحيط بكثير من التشكيك أو التحريض على استمرار العنف. وذلك يطرح تساؤلات عدة أبرزها:
1- نال القرار موافقة روسيا والصين بعد أن منعتا سابقا صدور قرارين عبر استخدامهما حق الفيتو، وتم تبرير موقفهما انطلاقا من مبدأ الحفاظ على سيادة الدولة العضو في الأمم المتحدة على كامل أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها إلا بموافقتها. وقد حمل القرار السلطات السورية مباشرة مسؤولية ضمان أمن المراقبين الدوليين، وحرية تحركهم بصورة كاملة وفورية، ودعا المعارضة إلى وقف فوري للعنف المسلح بكل أشكاله، والمشاركة في بناء نظام سياسي ديمقراطي في سوريا.
2- أعاد القرار الثقة بمجلس الأمن كمرجع أساسي لحل النزاعات الدولية. وأوقف الرهان على تغيير أنظمة الدول الممانعة للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم بالقوة العسكرية. وحذر السلطات السورية من مجلس الأمن سيراقب عن كثب تنفيذ بنوده ويتخذ خطوات أخرى إذا دعت الحاجة.
3- أبدت دول عربية معارضة للنظام السوري، امتعاضها من القرار، وشككت في فرص نجاحه التي رأت أنها لا تتعدى الثلاثة في المائة، وأبدت استعدادها لتسليح المعارضة السورية دفاعا عن الشعب السوري، ورفض إخضاع المعارضة للنظام الحاكم.
4- أكدت دول غربية مساندة للمعارضة السورية، أن العنف سيستمر في سوريا بعد صدور القرار، في حال أصر النظام على استخدام العنف ضد شعبه، وشككت في جدية النظام السوري، وحتى رغبته أصلا في التزام وقف إطلاق النار، ودعته إلى التنفيذ الفوري لكامل التزاماته لكي يستمر الهدوء ويتحول إلى استقرار حقيقي، وحذرت من الانجرار وراء أوهام حل دولي ينطلق من مبدأ الحفاظ على النظام السوري وعدم الإطاحة بقيادته. لكن الدول الغربية باركت وحدة المجتمع الدولي الذي أصدر قرارا صارما يظهر توحيد الموقف الدولي لإلزام النظام السوري بتنفيذ جميع بنود القرار.
5- في المقابل، شدد حلفاء النظام السوري في مجلس الأمن، على أهمية صدور القرار بعد إدخال تعديلات مهمة عليه لجعله أكثر توازنا. ونبهوا إلى أن المراقبين الدوليين أمام تحد صعب، يتطلب منهم إظهار الكثير من المهنية والشجاعة والموضوعية في عملهم، وأن من واجب مجلس الأمن حث المعارضة السورية على قدم المساواة مع الحكومة السورية، لتغيير سلوك كل منهما تجاه الآخر. فالمطلوب تنازلات متبادلة من الجانبين انطلاقا من احترام سيادة سوريا، ومنع كل أشكال التدخل الخارجي أو محاولة فرض أي نوع من الحلول المدعومة بقوات عسكرية من الخارج، وأن من واجب الحكومة والمعارضة الوفاء بوعودهما تجاه الشعب السوري، والالتزام بوقف إطلاق النار، والبدء في حوار إيجابي جدي للخروج من الأزمة، وعدم وضع العراقيل التي تمنع تنفيذ خطة أنان بكامل بنودها.
لقد أكد مجلس الأمن الدولي التزامه الكامل بالدعوة إلى التطبيق الفوري للنقاط الست التي تقدم بها كوفي أنان، بهدف التوصل إلى وقف كامل للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان. وشدد على ضرورة وصول المساعدات الإنسانية، والانتقال السلمي في سوريا لقيام نظام ديمقراطي تعددي، يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات بمعزل عن الانتماء العرقي أو السياسي أو الديني، وعبر حوار سياسي مكثف بين الحكومة السورية وكل أطياف المعارضة.
فسوريا اليوم أمام اختبار حقيقي لوقف تدمير الوطن، انطلاقا من مواقف متشنجة لدى الرؤوس الحامية في الحكومة والمعارضة معا، وسيادة سوريا ووحدة أرضها وشعبها ومؤسساتها، يجب أن تكون مصانة بالكامل، وذلك يتطلب الإسراع في تنفيذ خطة أنان، والتعاون الكامل مع المراقبين الدوليين، لتنفيذ بنود القرارين الدوليين من جانب الحكومة والمعارضة معا.
ختاما، تضمن القراران 2042 و2043 الصادران عن مجلس الأمن، إدانة صريحة للعنف من أي جهة أتى، ومحاسبة من يقوم به. ففتح نافذة أمل ضيقة، يمكن أن تتسع تدريجيا في حال اعتبرته الحكومة والمعارضة في سوريا، خشبة إنقاذ للجميع من مخاطر حرب أهلية يتم الإعداد لها منذ زمن بعيد، ويرسم المخططون لها خارطة جديدة للشرق الأوسط بعد سقوط النظام السوري، تغير صورة المنطقة لعقود طويلة بما يخدم المشروع الصهيوني بالدرجة الأولى.
والمطلوب أولا وقف الاقتتال الداخلي بكل أشكاله، وسحب القوات العسكرية من المدن والمراكز السكنية وعودتها إلى ثكناتها، والتزام الجميع بوقف نهائي ودائم لإطلاق النار، ومساعدة المراقبين الدوليين على تنفيذ مهماتهم بحرية تامة، والسماح لهم بالتواصل مع كل أطياف الشعب السوري في جميع المناطق. ويتحدد مدى نجاح مهمة المراقبين الدوليين انطلاقا من تقاريرهم اليومية التي تؤكد على وقف العنف المسلح من قبل جميع الأطراف، وضمان سلامة فريق المراقبيين لإنجاز المهمة الموكلة إليهم. كما يتطلب استمرار الضغوط الدولية عبر مجلس الأمن، لفرض حل دائم للأزمة السورية بالطرق الدبلوماسية، ومنع تحولها إلى نزاع إضافي طويل الأمد، يهدد مستقبل منطقة الشرق الأوسط بكامل دولها وشعوبها.