"يمكنك أن تدوس الأزهار.. لكنك لن تؤخر الربيع"، ربما تكون هذه العبارة التي قالها "ألكسندر دوبتشيك" مفجر حركة "ربيع براغ"، هي أصدق ما ينطبق على ما يحدث في دول "الربيع العربي" هذه الأيام.

وإذا كانت دبابات حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، قد داست أزهار "ربيع براغ" قبل 44 عاماً، لتجهض البرنامج الإصلاحي الذي كان "دوبتشيك" قد بدأ تطبيقه في "تشيكوسلوفاكيا" لانتشالها من الأحوال المعيشية الصعبة، والأوضاع الاقتصادية المتردية التي قادتها إليها سياسات الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، مانحاً قدراً من حرية التعبير والصحافة في البلاد.

معلناً أن الحزب ليس وصياً على المجتمع، واعداً بالحد من سلطة الأجهزة الأمنية على الشعب، مطلقاً حق السفر إلى الخارج.. فإن أطماع الذين تستبد بهم شهوة السلطة والوصول إلى كراسي الحكم في بلدان "الربيع العربي"، تدوس اليوم أزهار هذا الربيع.

وتحول أحلامه إلى كوابيس مفزعة تقض مضاجع الشعوب، وتحرمها لذة الاستمتاع بلحظة تحوّل الحلم إلى حقيقة، وهي تتضخم يوماً بعد يوم، وتوشك أن تطبق على أنفاس الشعوب التي بدأت تتنسم عبير الأزهار، وتمتع أنظارها برؤية تفتحها، بعيداً عن هذه الأطماع المتضخمة.

في مارس من عام 1969، اضطر "ألكسندر دوبتشيك" إلى الاستقالة من أمانة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي، إثر المظاهرات العنيفة التي اندلعت في براغ ضد الاتحاد السوفييتي، بعد تغلب فريق الهوكي التشيكي على نظيره السوفييتي، حيث أحرق المتظاهرون مكاتب شركة الطيران السوفييتية "إيرفلوت"، ليخلفه رجل موسكو "غوستاف هوساك"، الذي بدأ محاكمات سياسية خضع لها الشعب التشيكوسلوفاكي.

ولم يستطع إيقافها، في ذلك الحين، قيام الطالب "يان بلاش" بإضرام النار في نفسه احتجاجاً على تلك المحاكمات، في مشهد تكرر بعد ذلك في السابع عشر من ديسمبر عام 2010 أمام مقر ولاية "سيدي بوزيد" في تونس، وكان بطله الشاب التونسي "محمد البوعزيزي"، الذي أشعل شرارة "الربيع العربي" دون أن يدري، أو ربما أن يقصد.

وإذا كان الأمر قد تطلب من تشيكوسلوفاكيا أن تنتظر أكثر من عشرين عاماً كي تتفتح أزهار ربيع آخر، وتطلب من "ألكسندر دوبتشيك" الفترة نفسها كي يُرَدَّ له اعتباره، بعد أن أُبعِد عن الحياة السياسية وسُلِّم إدارة الغابات في براتسلافا، ليعود إلى الأضواء من جديد بعد انهيار الأنظمة الشيوعية التي داست دباباتها أزهار "ربيع براغ" وسحقتها، فإن شعوب "الربيع العربي" لا طاقة لها على الانتظار .

وهي ترى أزهار ربيعها تداس من قبل أولئك الذين ركبوا قطار الثورة قبل وصوله إلى محطته الأخيرة، ليفوزوا بغنيمة الرحلة كلها، أو أولئك الذين تركهم القطار مصدومين عندما أقلع، كي يعودوا لإجهاض الحلم وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، وربما إلى ما هو أسوأ منه.

"متفائلون على المدى البعيد.. لكننا سنشهد في المدى القريب بضع عقبات في طريق الديمقراطية".

هكذا وصف أحد أساتذة العلوم السياسية في مصر المرحلة الراهنة، قائلاً إنها الأصعب.

ربما يكون هذا التوصيف للمشهد الراهن هو الأقرب للحالة النفسية التي نعيشها، لكنه توصيف مرتبط بمرحلة "عنق الزجاجة" التي تمر بها الأوضاع في دول الربيع العربي.

وإن كان هذا يتم بدرجات متفاوتة، تختلف حدتها من دولة إلى أخرى، مثلما تختلف ظروف هذه الدول وتتنوع مكونات المشهد فيها، وتتفاوت مواطن الضعف والقوة لدى كل طرف من الأطراف المتناحرة على اقتسام كعكة الربيع التي فوجئت بوقوعها بين أيديها.

ففي الوقت الذي يحاول فيه بعض القوى الاستيلاء على الكعكة كلها والتهامها بتدرج مرحلي ممنهج، يعلن عن نفسه مرحلة بعد مرحلة، تسعى قوى أخرى إلى إحباط هذا المخطط وإعادة الاعتبار للقاعدة الديمقراطية التي تقتضي أن تكون هناك أغلبية وأقلية، معيدةً إلى الأذهان أنه ليس من قواعد اللعبة أن تستولي الأغلبية على كل شيء.

ولا تترك للأقلية أي شيء، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى عودة الديكتاتورية في ثوب جديد، ولكن من خلال صناديق الاقتراع هذه المرة، لتصبح ديكتاتورية تستمد شرعيتها من الشوارع الخلفية، يحرسها القانون، وتبسط سيطرتها على السلطات الثلاث، دونما شريك أو منازع.

"متفائلون على المدى البعيد" هو خيط الأمل الذي نتمسك به، كي لا يتسلل اليأس إلى نفوسنا مرة أخرى، بعد أن لاحت لنا أضواء انبعاث جديد، إثر سنوات من اليأس والهوان، أطبقت على أنفاسنا وذبحتنا من الوريد إلى الوريد؛ سنوات جعلت مصيرنا مرتهَنًا في أيدي الآخرين، يفرقوننا شيعاً، ويمزقون أوطاننا إرباً، يسلمون بعضها لمن هم لهم في الظاهر أعداء، بينما هم في الباطن شركاء وحلفاء، ويبقون بعضها في حالة إعياء، لا هي بالصحيحة التي تقوى على القيام بما عليها من أعباء، ولا هي بالمريضة التي ترجو الشفاء.

ربما نختلف على فكرة أن التاريخ لا يعيد نفسه، أو يعود في صور أخرى مشابهة لما قبلها أو مختلفة عنها قليلًا، لكننا نؤمن بأن قطار الوعي عندما ينطلق يدوس في طريقه أولئك الذين يحاولون إعادة الأمة إلى منطقة اللاوعي التي كانت متوقفة فيها، أما أولئك الذين يحاولون أن يدوسوا الأزهار، فقد يتمكنون من فعلتهم تلك، لكنهم لن يستطيعوا منع انتشار عبيرها أو منع الربيع من أن يأتي، حتى لو جاء متأخراً.