علياء جزء مهم من ذاكرتنا الشعبية، بل هي تراثنا الشعبي والذي قد نعجز عن صونه والحفاظ عليه رغم كل ما امتلكنا من أدوات حديثة وتقنيات متطورة. وقد يندثر هذا الجزء إلى الأبد بوفاة علياء. فهي امرأة إماراتية لن تتكرر. انها آخر المحافظين.
كانت علياء تقطن أحد الأحياء الشعبية القديمة المعروفة والذي رفضت مغادرته رغم أن معظم سكانه الأصليين قد غادروه إلى غير رجعة كما هو الحال في باقي الاحياء الشعبية القديمة في الإمارات. فقد تركوه إلى أحياء أكثر رقيا وتطورا وارتباطا بالحياة العصرية.
فتحول هذا الحي من حي زاخر بكافة أنماط الحياة الشعبية وقيمها الأصيلة وتقاليدها المتجذرة إلى حي اثني غريب، حي يتحدث سكانه الكثير من اللغات الآسيوية ويعكسون الكثير من الثقافات الغريبة، ولهم الغريب من العادات المجلوبة معهم. هذا هو الحال منذ أن بدأ التغير الحضري والحضاري يزحف إلى الإمارات ويغير من الحياة الاجتماعية وينقلنا من حال إلى حال.
علياء كانت امرأة تقليدية جداً، متمسكة بكل شيء قديم، فقد كانت تكره الكماليات الحديثة، فقط الضرورية منها تواجدت في منزلها. أما منزلها نفسه فكان تراثيا بكل معني الكلمة بل اعتبره البعض متحفا شعبيا مصغرا. فبالإضافة إلى فنائه الواسع والذي يحوي أشجار السدر والنخيل، حوى مطبخا تراثيا بامتياز كانت علياء لا تعد فيه إلا الأكلات الشعبية الإماراتية التي لا يعرفها بعض الكبار فما بالك بالصغار.
أكلها الشهي جلب لها شهرة بين الأهل والجيران الذين كثيرا ما كانوا يترددون على بيتها للتمتع بطيب طعامها وسخائها، أما الصغار فكانوا يحبون الحلوى الشهية التي كانت تعدها الجدة علياء خصوصا لهم.
امتلكت علياء ذاكرة تاريخية غنية، فقد اعتبرها الكثيرون مصدرا مهما للمعلومات المتعلقة بالمجتمع ومن سكن فيه ومن انتقل إليه ومن غادره تماما كالأحداث التي مرت عليه. فقد كان شغلها الشاغل كيف تحافظ على التراث الشعبي والشفهي من الاندثار بفعل متغيرات الزمن وسباق عجلة التطور.
لذا جعلت همها الأول رواية الأحداث التاريخية والذكريات الشعبية للكبار والصغار بأسلوب شيق يخرجه من إطاره الزمني ويضفى عليه رونقا حديثا يضاهي الحضارة الحديثة التي يعيشها المجتمع ككل. كان حديثها لا يمل على الرغم من تعليمها التقليدي، وكانت هوايتها المحببة الاستماع للمذياع وبالتحديد البث المباشر.
فهو، كما تقول، يجعلها على دراية بما يحدث في المجتمع، اما البرامج الإذاعية الأخرى فلا تروق لها، لأنه حسب قولها لا تتحدث لغتها. وعندما تحدثك علياء عن قضايا المجتمع تشعر بأنك أمام شخصية ذكية ومحللة من الطراز الأول على الرغم من بساطة تعليمها وعفويتها.
وكما امتلكت علياء ذاكرة حية امتلكت أيضا مهارات عدة وإن لم تكن قادرة على تطويع تلك المهارات للارتقاء بحياتها. فمثلا لم تعرف علياء كيف تستغل موهبتها في الطبخ أو في إعداد مواد الزينة في مشروع صغير يدر عليها بعض المال كالذي برعت فيه بعض النسوة. فمشروع تجاري صغير كان بالتأكيد سوف يعوضها عن ذلك المبلغ الزهيد الذي تستلمه في كل شهر من وزارة الشؤون الاجتماعية. ولكن علياء امرأة لم ترغب أصلا في الحصول على أي شيء سوى الستر.
علياء كانت امرأة وحيدة، لم تترك لها الحياة سوى أقارب بعيدين يزورنها بين الفينة والأخرى ويتمتعون بكرمها وسخائها. مرضت علياء مرضا بسيطا أقعدها فترة في المنزل ولم ينفع الطب الشعبي في علاجها. وبعد حياة حافلة بالعطاء والسخاء انتقلت علياء إلى رحمة الله تاركة ما لديها لأقاربها. لم تترك ثروة كبيرة ولكنها تركت فقط منزلها الشعبي الصغير وتركت معه وصية غريبة:
لقد أوصت بتحويل ذلك المنزل إلى متحف يزوره أطفال الحي والأحياء المجاورة ليروا ويشاهدوا بأم أعينهم كيف كانت الحياة في الماضي حتى لا يموت ذلك التاريخ. كانت مدركة بأن ذاك المنزل قد يتحول إلى مسكن للعزاب الأجانب تماما كما تحولت العشرات من المساكن الشعبية في الأحياء القديمة حينما هجرها سكانها.
كان كل ما تخشاه أن يضيع مع المنزل تراثا كاملا للبلد الذي كانت كل أمانيها وهي حية أن تحميه. ومع إدراكهم لصعوبة تحقيق أمنية علياء إلا أن أقاربها كانوا يفكرون بجدية في كيفية تنفيذ وصيتها. فحب علياء جعلهم يبذلون أقصى الجهد في تحويل تلك الأمنية الصعبة إلى واقع.
علياء هي تراثنا الشعبي الذي مضى. ففي صبيحة كل يوم جديد نغلق صفحة من ذلك التاريخ لكي نفتح صفحة أخرى مغايرة في كل شيء: في أنماط الحياة وفي القيم والعادات والتقاليد. ومن المؤكد أننا اليوم نعيش واقعا مغايرا عن ذاك الذي عاشته علياء، هذه هي سنة الحياة لا سيما وأننا نعيش في أكثر مجتمعات العالم تبدلا وتغيرا ليس من الناحية الحضرية فقط ولكن من الناحية الحضارية.
ولكيلا يحدث ما نخشاه وكانت علياء تخشاه، علينا العمل بجدية للحفاظ على ارث علياء وأمثالها فهو في واقع الأمر ارث آبائنا وأجدادنا. فالحفاظ على الإرث المادي سهل ولكن الأصعب هو الحفاظ على الإرث المعنوي. ولكي نحفظ وصية علياء علينا أن نكثف الجهود للحفاظ على ارثنا المعنوي قويا من أجل أجيالنا القادمة وليس من أجل حفنة من السياح.
إن تراثنا بأجزائه المتعددة والمعبر عن هويتنا وكينونتنا، معرض للاندثار والطمس. ونحن مدركون أنه مع انطماسه تطمس ذاكرة أمة، ولكن على الرغم من هذا الإدراك إلا أننا لا نعمل بشكل كاف للحفاظ على مفردات هذا التراث حية. وحتى عندما نعمل على احياء بعض مفرداته فليس من أجل أجيالنا الجديدة ولكن من أجل أن نضع تلك المفردات في المتاحف والقرى السياحية لكي يراها الآخرون.
إن بث الروح المتجددة في تراثنا القديم قضية في غاية الأهمية. فمع توفر التقنيات الحديثة ومع توفر الإمكانيات البشرية ومع الرغبة القوية يصبح ذلك التراث قيمة معنوية لنا ولأجيالنا القادمة.