اعتقلت السلطة منذ الأسابيع الأولى للانتفاضة السورية، وقبل أن يشتد عودها، وتتجذر مطالبها، الصف الأول من قادتها في مختلف المحافظات، وهكذا حُرمت الثورة من الصف الأول من قادتها. وبعد اشتداد الانتفاضة والحراك الشعبي، قامت السلطة من جديد باعتقال القادة من الصف الثاني أو أبقتهم في السجن حتى الآن، وحرمت الحراك الشعبي أيضاً من الصف الثاني من قيادته، وكان قد مضى على الثورة بضعة أشهر، فبدأت فصائل المعارضة السياسية بتأسيس نفسها وقيام تكتلاتها واتحاداتها، وتأسست هيئة التنسيق الوطني في الداخل، والمجلس الوطني السوري في الخارج، وتصدى كل منهما لقيادة الحراك الشعبي بطريقته.

ولذلك اعتمد الحراك الشعبي على مبادرات المعارضة واعتبرها قيادته، ولم يفرز قيادة جديدة بعد تصفية الصفين الأول والثاني من قياداته السابقة، على أمل أن تقوده منظمات المعارضة السياسية إلى الخلاص وتحقيق الأهداف. وأخذ هذا الحراك ينتظر أن تلعب قيادات المعارضة السياسية دوراً قيادياً حقيقياً، وأن تضع برنامجاً واضحاً لهذا الحراك وتقرر أسلوباً ناجعاً لنضاله.

لكن واقع الحال كان غير ذلك، فالمعارضة الداخلية (هيئة التنسيق) والمؤلفة من أكثر من عشرة أحزاب يسارية وقومية، كانت جميعها تعمل تحت الأرض وبشكل سري خلال أربعة عقود، وهي تحمل على كاهلها تقاليد النضال السابق وأساليبه وأهدافه، ولم تستطع أن تقيم علاقات جدية وواسعة ونوعية مع تنسيقيات الثورة أو تلتقط عقل الثوار وأساليبهم، أو تحدّث أهدافها وأساليبها في ضوء الظروف القائمة.

وبقيت تنظيماً تقليدياً بطيء الحركة تفصله عن الحراك الشعبي هوة تضيق وتتسع حسب الحالات. أما المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج) فمشكلته أكثر تعقيداً، ذلك أن تنظيمين من تنظيماته فقط (الإخوان المسلمون وحزب الشعب) لهما تجارب نضالية وتاريخ نضالي، أما بقية أعضائه فهم إما هواة سياسة أو أصدقاء مواقف عربية وأجنبية أخرى.

بالإضافة لبعض الليبراليين السوريين الذين يعيشون في الخارج. والسمة العامة لأعضاء المجلس هي أن أغلبهم يعيش في الخارج (وبعضهم ولد فيه) ولا يعرف بدقة ظروف الداخل وتطوراته، وفي الحالات كلها لم يستطع المجلس الوطني استيعاب مجريات الأحداث السورية ووضع برنامج مناسب لها أو ملامح أساليب عمل جديدة، واستسهل بعض أعضائه اللجوء إلى حل سريع للأزمة السورية وهو طلب التدخل الأجنبي حتى لو كان عسكرياً، ورفض باستمرار وحدة المعارضة السورية الداخلية والخارجية وذلك بسبب الضغوط الواقعة عليه من قبل جهات غير سورية.

ولأن أي وحدة (لو تحققت) ستضعف التيار الإسلامي لحساب التيارات القومية واليسارية الداخلية، وأخيراً بسبب أن القوى الخارجية أمنت له وسائل الإعلام والدعاية والدعم السياسي العربي والدولي، مما أصابه بالغرور، وأخذ يزعم أنه الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، وراهن على التدخل الخارجي مفترضاً أنه (أي التدخل )غب الطلب، وسيسقط النظام وسيكلفه هو بحكم سورية.

وتبنى بدون تبصر الشعارات التي يطرحها الشارع، ومعلوم أن الظلم الذي يواجهه الشارع والقتل والاعتقال والتعذيب وحرق البيوت وانتهاك الحرمات جعله يطرح شعارات متطرفة جداً، تصلح لأن تكون برنامجاً سياسياً متكاملاً. وهكذا لم تعوض المعارضة الداخلية والخارجية عن فقدان الحراك الشعبي الصفين الأول والثاني من قيادته.

وإن صح هذا السرد يصح الزعم أن الحراك الشعبي السوري، ينشط بدون برنامج ولا أسلوب عمل ولا قيادة، وأن قيادات المعارضة القائمة الآن خدعته عندما أوحت إليه أن النظام على أبواب السقوط حتى لو كان بواسطة الغزو الأجنبي، كما أدت سياستها بشكل غير مباشر لمنعه من إفراز قيادة أو قيادات جديدة، أو البحث عن برامج شاملة وكاملة من شأنها إحداث تصدع في النظام، ولم تُخلق بذلك الوحدة المطلوبة والتلاحم المطلوب بين الحراك الشعبي وبين قيادات المعارضة التقليدية وشبه التقليدية، بل سببت لها الإحباط والخيبة وبقيت العفوية والشعور الوطني الفياض، وعدم قبول الظلم هي العوامل المحركة للثورة وذات الفعالية العالية في حراكها.

تكاد الأزمة السورية الآن أن تكون مستعصية، فالسلطات ترفض التنازل عن أي شيء مما استولت عليه، من السلطة والثروة، وأصدرت قوانين اعتبرتها إصلاحية، وهي لا رائحة للإصلاح فيها، و تنم عن عدم وعي واضعيها بمعاني الدستور والأحزاب والحريات والدولة والحكومة والعلاقة بينها، وبدور مؤسسات المجتمع المدني، وباستحالة غض النظر عن فصل السلطات في هذا العصر، وضرورة طي صفحة الاستبداد وجمع السلطات في يد واحدة، وقد يكون واضعو هذه القوانين يسعون لأن ينصبون أنفسهم أوصياء على الشعب والنظام السياسي وعلى السلطة الحاكمة أيضاً.

كما يسيطر على أذهانهم وهمُ إمكانية القضاء على الحراك الشعبي وعلى الثورة بالحل الأمني، والعسف، والقصف، والاعتقال والتعذيب وهكذا، ومن خلال تجربة السنة التي مرت، تزيد هذه الممارسات اشتعال الثورة، وتؤسس لفراق وطلاق بائن بين الشعب والسلطة السياسية.