أصبح موضوع تأسيس الدولة وطبيعة دستورها والعلاقات بين مؤسساتها ومستوى الحقوق المتاحة فيها للمواطن، يشغل حيزاً كبيراً في أذهان النخب السياسية في عدد من الدول العربية منذ مطلع عام 2011، حين بدأ الربيع العربي يطل على ميادين وساحات عواصم هذه الدول ويسقط أنظمتها. فهل ستكون الدولة البديل في مستوى التوقعات والأماني أم ستكون نسخة أخرى من الدولة التي أسقطت؟

تأسس معظم الدول العربية في القرن العشرين بإرادات أوروبية فرضتها الدول الاستعمارية، وخاصة بريطانيا وفرنسا اللتان تقاسمتا إرث الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد نقلت هاتان الدولتان مع قواتهما الغازية، "نموذج الدولة" الأوروبي إلى منطقة الشرق الأوسط تحت وصايتهما، في ظل ظروف عالمية اتسمت بالاستقرار لبضعة عقود من السنين. إلا أن هذه الدول حديثة النشوء قد بدأت تتعرض لتحديات جدية بُعيد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت النزعات الوطنية التي ترفض الوصاية الأجنبية على شؤونها في التصاعد.

وقد ساعدت حقبة الحرب الباردة في خلق أجواء عززت فرص التغيير عن طريق الانقلابات العسكرية في معظم هذه الدول، حيث ترتبت على ذلك إعادة بناء الدولة بنماذج أخرى مرتجلة لم تستند إلى تجارب ناجحة معروفة، واعتماداً على دساتير مؤقتة تخدم أغراض القيادات الانقلابية التي تفتقر إلى الرؤى بعيدة المدى وإلى القدرات في مجالات الإدارة، وتفتقر، قبل هذا وذاك، إلى شرعية وجودها.

ولعل من المناسب في هذا السياق، أن نطلق مسمى "دولة البعض" على الدول التي تمخضت عن تلك الانقلابات العسكرية، على الرغم من أن البيان الأول المليء بالشعارات الوطنية الذي أعلنه قادة الانقلابات، متخم في الوقت نفسه بالحديث عن حقوق الناس. فقد تميزت دول الانقلابات العسكرية هذه، بوجود مؤسسات مسلوبة الإرادة وحاكم متجبر فرد يتربع على رأس السلطة، ما يراه يُصبح شريعة وما يتفوه به يغدو قانوناً.

إن إعادة بناء الدولة لا يخلو من صعوبات كثيرة، في أجواء المشاحنات السياسية بين القوى الجديدة التي استلمت مقاليد السلطة في دول الربيع العربي، بسبب تباين الأهداف وتضارب الأجندات وغموض النوايا، مما يخلق أجواء يصعب التمييز فيها بين مفهوم "الدولة" ومفهوم "السلطة". وقد ينعكس هذا الالتباس في متن الدستور، مكرساً من جديد بعض خصائص الدولة التي أسقطت. فالدولة لا تبنى استناداً إلى خصائص مشهد الحاضر، وإنما في أطر استشراف المستقبل، وحركة المجتمع وتطوره كجزء من الأسرة الدولية.

ربما لا نبتعد كثيراً عن مفهوم "دولة البعض"، في حالة توسع معنى "البعض" ليصبح حزباً أو تياراً سياسياً بدل الفرد، ففي ذلك مفارقة جديرة بالتوقف عندها، لأنها مربكة ومضللة في الوقت نفسه. فالحزب السياسي مهما بلغ تعداد المنتسبين إليه ومهما اتسعت دائرة نفوذه في المجتمع، يبقى ظاهرة لها أجل مسمى، يبقى "البعض".

قد يكون من المستحيل أن نجد دولة واحدة، بين دول العالم الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة البالغ عددها 192 دولة، تتسم بالنقاء التام عرقياً أو دينياً أو مذهبياً أو أيديولوجياً. إلا أنه من جانب آخر، ليس من المستحيل أن نحقق هدفنا على مستوى صغير جداً، حين نعثر على قرية صغيرة في موقع نائ منقطع عن أوصال المدنية المعاصرة، أو حارة صغيرة جداً في إحدى المدن الكبيرة.

الحاكم في أي بلد كان، سواء أكان ملكاً أم أميراً أم رئيساً، هو واحد من أبناء هذا البلد، ولا بد أن يحمل لوناً معيناً ورثه عن الأجيال الغابرة، فهو منتمٍ بغير إرادته إلى هذا العرق أو هذا الدين أو هذا المذهب أو هذه القبيلة أو هذه المنطقة، ولا بد أن تكون له أيديولوجية معينة، ورثها أو تبناها، وله منهج في الحياة وأسلوب في التفكير وبرنامج عمل لمقاربة قضايا بلده.

 كما لا بد أن يكون للمكان الذي نشأ فيه موقع خاص في نفسه، ولا بد أن تكون العلاقات التي نسجها مع أفراد عائلته أو مع بعض أصدقائه حاضرة في ذهنه وأثيرة لديه، وقد يكون لبعضها دور في التأثير على سلوكه وممارساته.

الفرق بين الدول الديمقراطية وبين غيرها، يكمن في ركنين أساسيين؛ أولهما أن الثقافة السائدة في المجتمع لا تعزز دور الفرد بل دور الفريق، وثانيهما أن مساحة إشغال الانتماء الذاتي للحاكم أكثر ضيقاً من مساحتها في الدول غير الديمقراطية، لسبب جوهري وهو أن الحاكم الحقيقي في الدول الديمقراطية هو المؤسسات التي لها وجود قوي تقره الدساتير وتحميه القوانين، وبذلك لا يتاح للحاكم، حتى لو سعى، فرصة التأثير على خططها وقراراتها.

كما أن لهذه المؤسسات، الرقابية بشكل خاص، مختلف الآليات التي تحمي المواطن وتضمن حقوقه، من خلال قضاء مستقل غير مُسيَس من الصعب جداً أن يعشعش فيه الفساد، ومن خلال إعلام متحرر في مداخله ومخارجه من هيمنة الدولة، فالدولة الديمقراطية هي "دولة الكل" وليست "دولة البعض".

وقد وضعت السنوات العشر الأخيرة منذ سقوط النظام العراقي عام 2003، في متناول بناة الدول وواضعي الدساتير في العالم العربي، تجارب ثرية جداً يرقى عدم الاستفادة منها إلى مستوى الخطيئة الكبرى، وليس إلى مستوى الخطأ فحسب.

فقد رأينا أنه بالقدر الذي يكسب فيه الفرد الحاكم أو الحزب الحاكم المزيد من القوة والنفوذ ليوظفه في غير مصلحة الشعب، يكسب، في الوقت نفسه، المزيد من المعارضة والكراهية، ويصبح أكثر عرضة للعطب والدمار، وغالباً ما يرسم لنفسه مصيراً أسودَ قد يواجهه في حياته كما حصل للبعض، فرداً أو حزباً، في أكثر من بلد عربي، وإن لم يحصل ذلك فلا مفر من أن تصبح فترة حكمه، بعد حين، حقبة مظلمة في ذاكرة الشعوب، وصفحة سوداء في كتب التاريخ.