أحيانا ما نشهد حدثا يتفق الجميع على أهميته، دون أن يغير بالضرورة شيئا في الواقع. وانتخابات الرئاسة الأميركية فيها شيء من هذا هذه الأيام، فأحداثها مهمة ولكنها لا تغير المعطيات الجوهرية للحملة. فريك سانتوروم، أقوى منافسي ميت رومني على ترشيح الحزب الجمهوري، علّق حملته الانتخابية، وبذلك تكون حلبة السباق على ترشيح الحزب الجمهوري قد خلت لميت رومني. لكن إخلاء الحلبة لا يعنى أن رومني قد تخلص من العبء الذي كان يمثله سانتوروم ببقائه في السباق.

فمعركة الرئاسة الأميركية لا تزال في ما يسمى بالمرحلة التمهيدية، أي تلك التي تكون فيها التصفية داخل كل حزب. والمعركة التمهيدية هذه المرة مقتصرة على الحزب الجمهوري، حيث لا توجد انتخابات تمهيدية في الحزب الديمقراطي، لأن أحدا لم ينافس أوباما على ترشيح حزبه. ومن يفوز بترشيح الحزب الجمهوري سينافس أوباما على الرئاسة في حملة الخريف.

وقد بدأ السباق الجمهوري بعدد ضخم من المرشحين، ظلوا يتساقطون ويخرجون من الحلبة الواحد تلو الآخر، حتى بقى في السباق ثلاثة مرشحين، أولهم ميت رومني الحاكم السابق لولاية ماساتشوستس، وثانيهم ريك سانتوروم السيناتور السابق، وثالثهما نيوت غينغريتش الذي كان رئيسا لمجلس النواب في التسعينات.

ورغم المنافسة الشرسة بين الثلاثة، وخصوصا بين سانتوروم ورومني، ظل واضحا من حيث الحسابات الرقمية، أن رومني هو الأقرب للفوز بترشيح الحزب. فلأن الانتخابات التمهيدية انتخابات غير مباشرة، فنسبة الأصوات التي يحصل عليها المرشح في كل ولاية، تتحول إلى نسبة من مجموع مندوبى المؤتمر العام. والمرشح الفائز يكون هو الذي نجح في الحصول على أعلى عدد من المندوبين للمؤتمر العام، القادمين من الولايات الخمسين. ورغم أن الحسابات الرقمية كانت في صالح رومني، إلا أن ريك سانتوروم ظل منافسا عنيدا يفوز في بعض الولايات، مما يعطى زخما لحملته يساعده في ولايات أخرى.

 وما جعل سانتوروم المنافس الأقوى، هو أنه ظل منافسا حقيقيا ليس فقط في ولايات الجنوب - معقل الحزب الجمهوري - وإنما في مناطق جغرافية أخرى أيضا. أما غينغريتش فلم تتجاوز قدراته ولايات الجنوب.

لكن بعد سلسلة هزائم متتالية لريك سانتوروم ووضوح الرؤية بدرجة أكبر بشأن حسابات المندوبين للمؤتمر العام، أعلن الرجل "تعليق" حملته الانتخابية، بينما اعترف غينغريتش بأنه لا توجد لديه فرصة حقيقية للفوز بترشيح الحزب. ومن ثم صار فوز رومني بترشيح الحزب الجمهوري تحصيل حاصل من الآن وحتى يوليو القادم، حين يجتمع المندوبون في المؤتمر العام لإعلان ترشحه رسميا.

غير أن نهاية معركة الترشيح بهذه الطريقة، لا تقلل مطلقا من المشكلات التي يعانى منها رومني، لأن الصداع الذي سببه سانتوروم وغينغريتش لرومني سيظل موجودا حتى انتهاء المؤتمر العام. فانسحاب مرشح معتبر من الحلبة بعد أن فاز في عدد من الولايات، لا يعنى أن ما حصل عليه من نسبة من المندوبين للمؤتمر العام تصبح لاغية. فمندوبو سانتوروم وغينغريتش سيذهبون للمؤتمر العام مندوبين عن الولايات التي فاز فيها كل منهما، وهو ما يعنى أن المرشحَين، من خلال مندوبيهما، سيؤثرون بالضرورة على صياغة البرنامج العام للحزب عشية المؤتمر العام.

ورغم أن البرنامج العام ليس ملزما لمرشح الحزب ولا لأي مسؤول حزبي، إلا أن خطورته الحقيقية هي أنه يرسم صورة ذهنية للحزب لدى الناخبين قبل أن يختاروا مرشحه في نوفمبر. وقد ساهم البرنامج العام في هزيمة مرشحين للرئاسة مرات كثيرة، كان آخرها عقد التسعينات. ففي عام 1992، شهد مؤتمر الحزب الجمهوري انقسامات حادة أدت في النهاية لصياغة برنامج للحزب كان يهيمن عليه تيار اليمين الديني، الأمر الذي أثار ذعر الناخبين المستقلين عن الحزبين، بل والناخبين الجمهوريين المعتدلين.

ورغم أن بوش الأب مرشح الحزب ذلك العام، كانت مواقفه أكثر اعتدالا بكثير من برنامج الحزب، إلا أن البرنامج أسهم في هزيمته أمام بيل كلينتون وخروجه من البيت الأبيض.

والشيء نفسه حدث في انتخابات 1996، التي صرح فيها مرشح الحزب الجمهوري بوب دول علنا، بأنه لا يوافق على برنامج الحزب ولن يلتزم به، بعد أن كانت الصراعات في المؤتمر العام قد جذبت البرنامج كثيرا نحو اليمين، ومع ذلك كانت الصورة الذهنية للحزب قد تشكلت، فأعاد الأميركيون كلينتون للبيت الأبيض لفترة ثانية. بعبارة أخرى؛ فإن الكثير من الأمور الرمزية في الانتخابات الأميركية، تكون ذات تأثير مهم على مجمل مقدرات المرشح للرئاسة.

ومن هنا، فإذا فاوض مندوبو غينغريتش وسانتوروم بشراسة للإصرار على أن يتضمن البرنامج ولو بعض مواقف الرجلين، خصوصا في القضايا الاجتماعية والدينية، فإن البرنامج سيستعدي قطاعات واسعة من الناخبين، بمن فيهم بعض الناخبين الجمهوريين المعتدلين. غير أن المفارقة الأخرى التي لا تقل دلالة، هي أن رفض رومني الانصياع لمواقف الرجلين، ستكون له تبعاته القاسية أيضا.

وتلك هي المعضلة الرئيسية التي تواجه رومني، فهو مهما فعل في حملة الخريف، فإنه بالضرورة سيستعدي أطرافا مهمة للغاية. أما كيف ولماذا، فإن ذلك موضوع يحتاج لشرح واف قد يتطلب مقالا منفصلا.