عشية قمة الأمن النووي العالمي التي عقدت منذ أيام في سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية، حذر بعض الأطراف المتضررة، من مخاطر صواريخ كوريا الشمالية على منطقة جنوب شرق آسيا بأكملها. وقد اتهم مسؤولون أميركيون الصين بأنها لا تبذل جهودا كبيرة لإلزام كوريا الشمالية بوقف صواريخها الاستفزازية، ومنها صواريخ تفشل في مهمتها وتسبب هلعاً في الدول المجاورة، خاصة في اليابان وكوريا الجنوبية.
بني الاتهام على أساس سياسة التساهل التي تمارسها الصين تجاه إطلاق الصواريخ الكورية، إلى جانب دعمها غير المعلن لبرنامجها النووي. وهي سياسة لم تعد مقبولة، لأنها تشكل نوعا من المكافأة غير محمودة العواقب لكوريا الشمالية. فالصين متهمة بأنها تغض الطرف عن الاستفزازات المتعمدة التي تقوم بها كوريا الشمالية، ولا تمارس أي عقوبات ضدها، ولا تدين بصورة فاعلة أعمالها الاستفزازية وانتهاكاتها لقواعد القانون الدولي، وتحملها تلك الأطراف بقاء الأزمة الكورية دون حل. فما زالت اللجنة السداسية تصدر بيانات عامة منذ سنوات طويلة، دون أن تحدث أي تغيير جذري في سياسة كوريا الشمالية النووية، أو في تغيير سلوكها الاستفزازي ضد دول الجوار.
من جانبها، تعيد الصين التذكير بأنها انتقدت مرارا تلك الاتهامات، التي تتكرر كلما أطلقت كوريا الشمالية صاروخا باليستيا إلى الفضاء الخارجي. لكن الانتقادات الموجهة ضدها لم تحدث أي تغيير في موقف كوريا الشمالية، فهي لم تتخل عن برنامجها النووي أو عن حقها المشروع في إجراء تجارب علمية عبر إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى، والتي تثير قلقا مشروعا في شبه الجزيرة وفي اليابان. فأي خلل في هذا المجال يمكن أن يؤدي إلى كارثة إنسانية كبيرة تصيب شعوب المنطقة، لا سيما وأن تجارب كوريا الشمالية لا تخضع لأي رقابة دولية من جانب مؤسسات علمية ذات خبرة عالمية متقدمة في المجال العلمي.
مع ذلك، المسألة أكثر تعقيدا. فكوريا الشمالية دولة مستقلة وذات قرار مستقل في ما تقوم به من أعمال. كما أن الصين تتخذ موقفا محايدا في شؤون شبه الجزيرة، ولا تمارس أي ضغوط على كوريا الجنوبية أو الشمالية. وسياستها الثابتة والمعلنة منذ سنوات طويلة، هي أن شبه الجزيرة الكورية يجب أن تكون خالية تماما من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.
تسعى الصين إلى الحفاظ على السلام والاستقرار في منطقة شمال شرق آسيا، بالتعاون مع دولها من جهة، وبمساعدة الأمم المتحدة والولايات المتحدة من جهة أخرى. وقد ساعدت في العام 2003 على إطلاق المحادثات السداسية، للوصول إلى تسوية سلمية ملائمة للأزمة النووية في شبه الجزيرة الكورية.
لكنها تمسكت دوماً بسياسة الإقناع، دون ممارسة أي ضغوط على الدول المعنية بتلك الأزمة. فحققت المحادثات السداسية نجاحا ملحوظا في التوافق على بيان مشترك صدر بتاريخ 19 سبتمبر 2005، على أمل تحقيق نتائج عملية من خلال تنفيذ بنوده.. لكن محادثات اللجنة الساداسية وصلت إلى طريق مسدود في السنوات الأخيرة، ولم تنجح جهود الصين والأمم المتحدة والولايات المتحدة في إعادة تحريكها.
وأبدت الصين قلقها في الأيام القليلة الماضية، حين أعلنت كوريا الشمالية إطلاق قمر صناعي إلى الفضاء الخارجي في الفترة ما بين 12-16 إبريل 2012. وأجرت اتصالات مكثفة مع دول اللجنة السداسية؛ أي كوريا الجنوبية، وروسيا، والولايات المتحدة، واليابان، ودول أخرى.
ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والتصرف بحذر، ومنع التصعيد، خوفا من تفجر الأوضاع المتأزمة أصلا بين كوريا الشمالية وكل من كوريا الجنوبية واليابان، بحيث لا تتحول الأزمة إلى نزاع عسكري مدمر. وقد نشرت اليابان فعلا شبكة مضادة للصواريخ الكورية، بهدف حماية أراضيها وشعبها.
نخلص إلى القول: إن كوريا الشمالية جارة صديقة للصين، وليست ملحقة بها أو تخضع لوصايتها لأنها دولة مستقلة وذات سيادة كاملة. وقد بنيت العلاقات بين الصين وكوريا الشمالية على أساس مبادئ التعايش السلمي، والاحترام المتبادل، والمساواة في المعاملة، ما يساعد على تطوير الصداقة والتعاون الثنائي بين الجانبين، ويخدم المصالح الحيوية للشعبين الصيني والكوري، وتحقيق السلام والاستقرار في شمال شرق آسيا.
وتحكم العلاقة بين االصين وكوريا الشمالية روح الصداقة والتعاون وحسن الجوار، وبالتالي لا ينبغي تحميلها المسؤولية كلما أطلقت كوريا الشمالية صاروخا باليستيا. فليس من واجب الصين ممارسة الضغوط على كوريا الشمالية، أو إلزامها بوقف برنامجها النووي، أو وقف تجاربها العلمية في الفضاء الخارجي. وموقف الصين في مجال العلاقات الإقليمية والدولية شديد الوضوح، فهي تتمسك دوماً بالقوانين الدولية، وبمبادئ الأمم المتحدة، وتدعو الدول الكبرى إلى عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى أو محاولة التأثير في قراراتها السياسية، أو تغيير أنظمتها بالقوة العسكرية الخارجية.
إن أزمة شبه الجزيرة الكورية حساسة جدا، ولذلك تعمل الصين بحذر شديد لضمان المصالح الإقليمية المشتركة بين الصين والشعب الكوري في الكوريتين، وتشدد على ضرورة الحوار الإيجابي والمفاوضات السلمية لتسوية الأزمات الدولية.
وتطالب الدول الكبرى بعدم التخلي عن بذل الجهود في هذا المجال، رغم الصعوبات الراهنة. وفي خطاب أمام قمة السلامة النووية التي عقدت في سيؤول مؤخرا، دعا الرئيس الصيني الأطراف المعنية إلى ضبط النفس، والسعي لحل المشكلات القائمة بالوسائل السلمية، من خلال القنوات الدبلوماسية دون سواها. فالوضع الحالي في شبه الجزيرة الكورية شديد التعقيد، بعد توقف اللجنة السداسية عن ممارسة دورها لإحلال السلام والاستقرار في شبه الجزيرة وجوارها.
ختاما، إن الحفاظ على السلام في منطقة شمال شرق آسيا مسؤولية إقليمية ودولية. فالأزمة الكورية مستمرة منذ أكثر من ستين عاما مضت على قيام دولتين في شبه القارة الكورية، وما زالت الثقة المتبادلة معدومة لدى حكام الكوريتين، بسبب التدخلات الخارجية في شؤونهما، خاصة من جانب الولايات المتحدة الأميركية. وذلك يتطلب إيجاد حل عقلاني، دائم وعادل، عن طريق الاتصالات المباشرة، والحوار الإيجابي.
ومن واجب الأمم المتحدة والدول المعنية بالأزمة الكورية، أن تعمل معاً على نزع فتيل الأزمة، والانتقال تدريجيا من موقف العداء إلى إقامة الثقة المتبادلة بصورة تدريجية. وحفظ السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية وجوارها، لا يقتصر على منع إطلاق صاروخ طويل المدى، أو حث شعوب تلك المنطقة على الهدوء وضبط النفس، بل يستوجب تدخل الأمم المتحدة والدول الكبرى الفاعلة في النظام العالمي الجديد، لإيجاد حل دائم لهذه الأزمة المزمنة.