تسارعت الأحداث مؤخرا في مالي وفي منطقة الساحل في إفريقيا، مما قد يثير دهشة الذين يراقبون الوضع في هذه المنطقة من العالم عن قرب.
إن الانقلاب العسكري الذي قام به ضباط من رتب صغيرة، أثار ردود أفعال تسمح باستخلاص بعض الدروس. على الصعيد الإقليمي، يشكل فوز المعارض السنغالي ماكي سال بالانتخابات الرئاسية في بلاده دون عنف ولا صدامات، أحد المظاهر الأكثر بروزا في منطقة الساحل التي تكدّس المشاكل من كل نوع.
تعاني المنطقة من جفاف كبير يهدد الزراعات الغذائية وتربية المواشي، مما يشكل تهديدا للسكان. وكانت المنطقة قد واجهت الصدمة التي أحدثتها الأزمة في ساحل العاج، عندما جرى عزل الرئيس السابق لوران غباغبو من السلطة بالقوّة العسكرية، بعد فشله في الانتخابات، كما واجهت اضطرابات سياسية في بوركينا فاسو وفي نيجيريا. والتوترات بين السودان وجنوبه بعد الانفصال في صيف 2011، وإعادة انتخاب جوزيف كابيلا في جمهورية الكونغو الديمقراطية في نوفمبر الماضي، تشكّل بعض مظاهر ضعف تلك المنطقة الساحلية.
وإذا توجهنا أكثر نحو شرق القارّة، نصل إلى الصومال التي تعرف موجات عنف لا تتوقف. وفي المحصّلة يبدو بوضوح أن الشريط الساحلي الإفريقي يعاني من هشاشة كبيرة.
في العودة إلى مالي، من الهام أوّلا محاولة رصد نتائج الحرب التي خاضها الحلف الأطلسي في ليبيا. ذلك التدخّل الفرنسي ـ البريطاني بالدرجة الأولى أدّى، وفيما هو أبعد من الإطاحة بالقذافي، إلى ثلاث نتائج كبرى، هي وضع حد لخريطة طريق الاتحاد الإفريقي الرامية إلى نزع فتيل التوترات على صعيد القارّة؛ ووصول نظام ذي توجّه إسلامي؛ وبروز خطر تقسيم ليبيا.
إن الانقلاب العسكري في مالي يندرج في سياق تعزيز مكانة الطوارق، مما لا يعني مالي وحدها، ولكن أيضا النيجر وليبيا، وبدرجة أقل موريتانيا. وكان بعض الطوارق قد حاربوا إلى جانب معمّر القذافي الذي نجح في استمالتهم عبر إغداق العطايا عليهم، ثمّ عملوا مع الكتائب الجهادية في مالي، ومع مجموعة سلفية متواجدة في المنطقة الحدودية بين مالي والجزائر. وفي مثل هذا السياق أعلنوا استقلال شمال مالي.
ولا يمكن التفكير في أن هذا "الاستقلال" سوف يستمر، ومن المفترض أن تؤدي الضغوط التي تمارسها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، إلى إعادة وضع يتسم بالشرعية. ومن الملاحظ أن الذين قاموا بالانقلاب في مالي، قبلوا بإعادة السلطة إلى المدنيين مساء يوم 6 إبريل، أي بعد أسبوعين من انقلابهم. لكن هذا لا يسوّي بالتأكيد أي مشكلة من المشاكل الجوهرية، إلا أنه يسمح على الأقل بعدم رؤية الوضع ككارثة، رغم أن استعادة مالي لموقعها الطبيعي ستكون طويلة الأمد، نظرا للضعف الكبير الذي تعاني منه.
إن التحدي الأكبر يوجد في مكان آخر، وهو أن تتحالف الحركات المتطرّفة في المنطقة مع متطرفي حركة بوكو حرام في نيجيريا، التي لها صلات وطيدة مع حركة "الشباب" في الصومال. وفي مثل هذا المنظور، يمكن أن تكون عملية "أفرقة" نشاطات المتطرفين هي بصدد التطبيق، وهذا أمر مثير للقلق.
وقد تمتد حدود نشاطات هؤلاء من شواطئ السنغال إلى القرن الإفريقي، بنوع من "الحزام الرمادي" الذي تصعب السيطرة عليه. فهل سيؤدي هذا بالنسبة للأوروبيين إلى "أفغانستان جديدة بالقرب منهم"، حسب التعبير المستخدم من قبل المدير السابق لأجهزة الاستخبارات الفرنسية؟ في هذه الحالة ستكون العمليات العسكرية أصعب من أفغانستان، فالسياق الساحلي الإفريقي أكثر تعقيدا.
هذه التحديات الجيدة تفرض قبل كل شيء، وجود إمكانيات جديدة في حقل الاستخبارات، ومبادرات سياسية ودبلوماسية تتسم بالجدية والواقعية.