أعلن رئيس مجلس النواب العراقي أسامة النجيفي، خلال مؤتمر صحافي عقده في الرابع من إبريل الجاري في مبنى البرلمان، تأجيل «الاجتماع الوطني» الذي كان مقرراً عقده في اليوم التالي، إلى أجل غير مسمى، وذلك بعد اتساع شقة الخلافات بين الكتل السياسية.

وقد سبق لرئيس الجمهورية أن دعا لعقد هذا الاجتماع منذ ديسمبر من العام المنصرم، عند اندلاع الأزمة بين القائمة العراقية ودولة القانون، على خلفية اتهام نائب الرئيس طارق الهاشمي بالإرهاب، وطلب رئيس الوزراء إقصاء نائبه صالح المطلق، وقد حظيت تلك الدعوة بدعم الرئيس الأميركي باراك أوباما.

بعد يوم واحد من إعلان النجيفي، سارعت السفارة الأميركية في بغداد إلى إصدار بيان أعربت فيه عن قلقها الشديد لتردي الأوضاع بين الشركاء في العملية السياسية، وقالت فيه «إن السياسة الأميركية التي تدعم وحدة العراق المنصوص عليها في العديد من قرارات الأمم المتحدة وبيانات السياسة الأميركية، هي أمر ثابت لا يتزعزع». وتزامن ذلك مع تأكيد الرئيس الأميركي خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي «التزام الولايات المتحدة الصارم بوحدة العراق ونظامه الديمقراطي».

جاء الموقف الأميركي بمثابة تحذير للقيادات السياسية في العراق، بأن الولايات المتحدة لا ترتاح لسماع تصريحات تحمل نبرة انفصالية، بشكل مباشر أو غير مباشر، على ألسنة بعض المسؤولين من جهة، وإصرارها في هذا السياق على أنه لا مفر لهذه القيادات من الحوار فيما بينها، من جهة أخرى.

والحقيقة أن الولايات المتحدة تراقب بقلق تردي الأوضاع في العراق الذي بدأت تتسع دائرته ليطال الثوابت التي بنيت عليها العملية السياسية، فالخلافات بين «العراقية» و«دولة القانون» تراجعت كثيراً أهميتها في الآونة الأخيرة بعد تصاعد الخلافات بين بغداد وأربيل إلى مستوى خطير جداً ينذر بتداعي أكبر تحالف استراتيجي تجمع خارج العراق، وعمل على الإطاحة بالنظام السابق، وقاد العملية السياسية منذ ذلك الحين، وأصبح من ثوابتها.

فمما يلاحظ في أجواء العملية السياسية المتشنجة، أن هناك نوايا لدى البعض لدفعها نحو نقطة اللا عودة، إذ مقابل التصعيد الإعلامي الذي نشهده في تبادل الاتهامات بين «العراقية» و«دولة القانون»، وبين أربيل وبغداد، لا توجد دعوات للتهدئة سوى دعوة رئيس الجمهورية لعقد «اجتماع وطني» لتسوية الخلافات وتنقية الأجواء، الذي لم تتوافر فرص عقده على مدى الشهور الأربعة المنصرمة، ويمكن القول بأنه قد أصبح في «خبر كان» بسبب الشروط التي وضعها هذا الطرف أو ذاك لحضور الاجتماع، وبسبب سقوف المطالب المرتفعة التي يصر عليها كل طرف.

جل الخلافات تدور في فلك واحد، شكاوى مرة من أن الدور السياسي المنقوص للجميع لا يتناسب مع الحجم الذي يشغلونه، مقابل استئثار رئيس الحكومة وحزبه بهذا الدور. فقد وُضع رئيس الحكومة في دائرة ضيقة، تحاصره تُهم عديدة، منها عدم التزامه بالاتفاقيات المبرمة مع بقية الأطراف، وعدم التزامه بالدستور، والعمل على تقزيم إقليم كردستان، وسحب صلاحياته التي أقرها له الدستور، وتشديد المركزية في الحكم.

فالخلافات بين بغداد وأربيل بشأن عقود الإقليم النفطية مع الشركات الأجنبية، فضلاً عن قانون النفط والغاز، لا تزال مستمرة، وقد زادت عمقاً بعد استضافة الإقليم لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي المطلوب للقضاء. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة دعوات خطيرة لم يشهد العراق مثيلاً لها في أسوأ مفاصل تاريخه، تطالب الكرد بالخروج من بغداد ومن المدن العربية الأخرى، في مسعى خطير لشحن عنصري للشارع العربي ضد الكرد.

إن إصرار الولايات المتحدة على موقفها من سيناريوهات العملية السياسية، وضغوطها الكبيرة على القيادات العراقية للإبقاء على ثوابتها، قد أصبح مضراً إلى درجة بعيدة بكافة الأطراف المشاركة فيها. والحقيقة أن السنتين المنصرمتين يكمن في ثناياهما الكثير والكثير جداً من الأحداث والمواقف التي لا تشير إلا إلى حقيقة واحدة، هي فشل سياسة التوافق وحكومة الوحدة (الشراكة) الوطنية، وأن هذا الفشل لا يمكن أن يعالج بالإبقاء على مقوماته وترميمها فحسب، بل بمواجهته بوضوح وشجاعة وبروح المسؤولية الوطنية العالية.

ولعل من واجب القيادات السياسية أن تبادر إلى الإعراب عن رفضها الاستمرار في اعتماد هذا النهج الفاشل لبناء دولة ديمقراطية، كي تثبت مصداقية شعاراتها أمام الجمهور الذي منحها الثقة في الانتخابات الأخيرة.

إن بقاء الجميع تحت سقف البرلمان أمر ضروري يعبّر عن حالة صحية في الأطر الديمقراطية، إلا أن بقاءهم تحت سقف الحكومة ليس كذلك، لأنه يخالف تلك الأطر، فهو غير ضروري البتة، خاصة بعد أن أصبح مضراً، مع تراجع ثقة الفرقاء ببعضهم بعضاً، ومع تصاعد الشكوك بحسن النوايا وصفائها.

وقد انعكست التأثيرات السلبية لذلك على مستوى الأداء الحكومي في مختلف المجالات، وحصد نتائجها الشعب الذي يعيش سبعة ملايين (23% من مجموع السكان) من أبنائه تحت خط الفقر، وفق الإحصاءات المسجلة التي تم إعلانها من قِبَل وزارة التخطيط العراقية، مع أن ميزانية العراق السنوية قد تجاوزت المئة مليار دولار في عام 2012.

فشل العراقيون منذ مطلع عشرينيات القرن المنصرم في بناء «دولة ديمقراطية»، على الرغم من وجود مؤسسات حملت مسمى «مجلس النواب»، جرى انتخابها بطرائق لا تمت للديمقراطية بصلة، سواء في العهد الملكي أو في ظل النظام السابق.

إلا أنهم، من جانب آخر، قد نجحوا في بناء «سلطة» من نوع خاص، سلطة أجهزتها القمعية هي الأكثر انشغالاً من غيرها، بدرجات متفاوتة تتناسب مع مستوى عجز هذه السلطة في معالجة الأزمات الملحة التي يمر بها الشعب العراقي، ومع مستوى الحراك السياسي ودرجة غليان الشارع المعارض.

والآن، وبعد مرور سنتين على فشل سياسة التوافق، ومنعاً لانهيار العملية السياسية واتجاه العراق نحو ما لا تحمد عقباه في مسارات مجهولة المآل، لم يبق من سبيل آمن لحسم الملف السياسي العراقي لمصلحة الشعب الذي عانى ويعاني الكثير من المحن والمشقات، سوى الذهاب إلى انتخابات تشريعية مبكرة، يُسمح فيها للشعب بتصحيح مسارات العملية السياسية وإخراجها من دائرة الجمود والشلل التي تدور فيها.