أعلن السيد كوفي عنان، مبعوث مجلس الأمن وجامعة الدول العربية إلى سوريا بحثاً عن حل لأزمتها، أن السلطة السورية وافقت على وقف أعمال العنف، وسحب الجيش والمعدات العسكرية الثقيلة من المدن في اليوم العاشر من الشهر الجاري، على أن يوقف (الطرف الآخر) أي المعارضة المسلحة، بدوره أعماله المسلحة، خلال يومين من ذلك التاريخ. مما يشكل الخطوة الأولى باتجاه حل الأزمة.
إلا أن المعارضة السورية وبعض الدول العربية والأجنبية شككت بجدية التزام السلطة السورية بتحقيق وعودها، لأنها ــ حسب المشككين ــ تخل دائماً بالوعود ولا تلتزم بتنفيذ ما وعدت به، ويستذكرون وعوداً عديدة قدمتها هذه السلطة خلال العام المنصرم دون أن تنفذ منها شيئاً.
إن قبول السلطة السورية مبادرة عنان، يعني أنها اقتنعت بعدم جدوى الحل الأمني الذي مارسته خلال عام كامل، وأن الحل السياسي هو الوسيلة السليمة للخروج من الأزمة، ووضعها فعلاً على طريق الحل، واستطراداً يعني أن الحراك الشعبي السوري وانتفاضته وثورته كانت وسائل مشروعة للمطالبة بحقوقه، ولا شك أن قبول السلطة السورية سوف يضع النظام السياسي على طريق الإصلاح الحقيقي، والتخلي عن الاستئثار بالسلطة والثروة.
كما هو الحال منذ عدة عقود، كما يؤكد أن قبول المعارضة السورية هذه المبادرة،يعني أنها تقبل بالتسوية السياسية مع السلطة السورية، بما في ذلك تخليها عن شعارها المطالب بتنحية الرئيس قبل بدء أية مفاوضات أو حوار حول مستقبل النظام السياسي. ويبقى السؤال ملحاً وهو هل يكفي قبول السلطة وقف إطلاق النار (هذا إن نفذت تعهدها بهذا القبول) وقبول المعارضة السير بطريق التسوية، لكي يطمئن الشعب السوري والهيئات الدولية وكل ذي شأن أن الأزمة السورية وضعت على طريق الحل؟.
أعتقد إن هذا التوجه السياسي السلمي، سوف يصطدم موضوعياً بعقبات لا حصر لها، سوف تعرّض أية مبادرة وأية تسوية إلى الفشل، ذلك لأن الوصول إلى الهدف يقتضي أمرين في آن واحد: أولهما توفر الإرادة الصادقة لدى السلطة لقبول هذه المبادرة بجميع بنودها وشروطها ومعطياتها، والتحلي بالمسؤولية الوطنية والسياسية للسير بتنفيذها، والقناعة المطلقة بأن الحل الأمني فشل بالكامل وأن الحل السياسي هو الطريق الوحيدة لحل هذه الأزمة، وثانيهما القبول بجميع بنود المبادرة ومتطلباتها كمجموعة متكاملة، وعدم اللجوء إلى الحلول الجزئية أو الانتقائية أو سياسة الخطوة خطوة، أو إدخال خطوات تنفيذها في بازار المساومات والخداع و(المشطرة)، وأعتقد أن أياً من هذين الشرطين غير متوفر إلى حد بعيد.
إن دلائل عديدة تشير إليها ممارسات السلطة السورية في الداخل تجاه الحراك الشعبي، أو إصلاح النظام، أو القبول بالمطالب الأساسية للمنتفضين، تؤكد أن السلطة مازالت تؤمن بالحل الأمني، وهو الذي تتنوع أساليب تطبيقه يومياً، ومازالت تعتقد بإمكانية هذا الحل للقضاء على الحراك الشعبي وإنهاء الثورة، خاصة وأن مؤسسات النظام الأمنية والإعلامية والحزبية وغيرها تنشر إشاعات مفادها أن الانتفاضة على وشك الانتهاء، وأن الأمر يحتاج لبضعة أيام، وأن الرئيس سيلقي (خطاب النصر) خلال أسبوع.
كما يؤكد ارتفاع حجم المداهمة والقصف وأعداد القتلى المتزايد قناعة النظام بأن ممارساته الأمنية والعسكرية، قاب قوسين أو أدنى من النصر، وعليه فمن المشكوك فيه، أنه اقتنع بغير ذلك، أي بجدوى الحل السياسي، أو توفرت لديه الرغبة والإرادة لتبني هذا الحل، وفي الوقت نفسه فإن السلطة السورية ترى أنه يتعذر عليها قبول بنود المبادرة ومتطلباتها، ذلك لأنها توقن أن أي وقف لعنفها وسحب الجيش من المدن مع بقاء التظاهر السلمي (وهو ما أكدت المبادرة عليه) سوف يرفع عدد المتظاهرين إلى عدة ملايين وسيملأون الساحات والشوارع ويطبقون على السلطة وأهلها، ويظهرونها مفلسة خائرة القوى.
كما أن إخراج عشرات آلاف المعتقلين، سيرفع معنويات المتظاهرين، وبالتالي سيشعر الشعب السوري أنه انتصر، إضافة إلى أن المتواجد من الآن بين أبناء الشعب السوري في المنطقة الرمادية، أي بين السلطة والثوار، سينضمون للمعارضة، وسيصاب أهل السلطة وأنصارها وأدواتها بالخيبة، ونخور قواهم، وستجد السلطة نفسها بدأت بالانهيار والتلاشي، وهذا ما يؤكده محللون عديدون من داخل سورية، بل ما يراه عديدون من أهل السلطة وأصحاب القرار.
في ضوء ذلك، من المتوقع أن تبدأ السلطة السورية مسيرة (ماراثونية) مع مبعوثي كوفي عنان، وتطالب بتوقيع بروتوكولات حول التعامل مع ما تسميه (العصابات المسلحة) ومراقبة وقف إطلاق النار ومدى استجابة (الطرف الآخر) لذلك، وحول سحب الجيش من المدن وإلى أين (إلى ثكناته أم إلى خارج المدن فقط أم إعادة انتشار)، ثم طريقة الحوار، ومن هم الذين تحاورهم السلطة هل هم قيادة المعارضة الخارجية أم الداخلية أم الجيش الحر أم جميعهم، ومواضيع الحوار هل هي لإصلاح النظام السياسي أم لتغييره.
إضافة إلى مدة الحوار، والجدول الزمني للإفراج عن المعتقلين، والتعامل مع الجرحى والمعوقين بعد الاتفاق، والأهم من كل ذلك ما هو النظام السياسي المطلوب الوصول إليه، ومن هو الطرف الذي تحاوره المعارضة من أهل السلطة، وهل سيحال المرتكبون والقتلة إلى المحاكمة، وما مصير الجيش الحر ومنشقيه، وعشرات القضايا الأخرى التي يكفي كل منها لوضع عثرات حقيقية أمام الحل، وإعطاء فرص سانحة لمن يريد أن يماطل في تنفيذ المبادرة.
يبدو أن السلطة السورية، وضعت كل ذلك في اعتبارها، وقبلت المبادرة على أساس أنها ستتيح لها فرصة كسب الوقت بل والمماطلة بطرق مشروعة، كما تتيح لها الاستمرار بإجراءاتها التي تعتقد أنها ستهزم من خلالها الانتفاضة وتطفئ الثورة، وتضع الجميع أمام أمر واقع، خاصة وأن الشرط الموضوعي يشير إلى أن السلطة، حتى لو كانت راغبة، فإنها غير قادرة على حسم موقفها، بسبب هيمنة الرؤوس الحامية على مركز اتخاذ القرار.