في نهاية لقاء القادة العرب أو من مثلهم في حضور القمة العربية الثالثة والعشرين في العاصمة العراقية، خلال الفترة من 27 إلى 29 مارس المنصرم، أعلنت بغداد عن "نجاح" هذه القمة. والحقيقة أن إعلانا كهذا سبق أن تردد اثنتين وعشرين مرة قبل ذلك، في العواصم العربية التي عقدت فيها هذه القمة. ولسنا هنا بصدد تقييم نتائج تلك القمم ولا الخوض في تفاصيل النجاحات الكاسحة التي حققتها، وما الذي تحقق فيها للمواطن العربي من مكاسب؟ ولكن سنركز فحسب على بعض الجوانب التي أحاطت بالقمة الأخيرة.

جاءت قمة بغداد في ظروف متميزة جداً، أعقبت سقوط خمسة أنظمة عربية مزمنة؛ في العراق وتونس ومصر وليبيا واليمن، وبعد مرور سنة على إطلالة الربيع العربي على ميادين وساحات عدد من العواصم العربية، وما تمخض عن ذلك من اهتزاز عاصف للنظام الرسمي العربي الذي كرست ديمومته جميع القمم السابقة، والذي تأسس على ضمان سلامة الأطر المحافظة في السياسة العربية.

انعقدت هذه القمة وسط حقول ألغام كثيفة، عربياً وعراقياً، ففي الوقت الذي حرص فيه رئيس الوزراء نوري المالكي على عرض العراق بصورة براقة أمام الرؤساء العرب، وهو ما فعله في الخطاب الذي ألقاه في المؤتمر، سعى أبرز معارضيه إلى عرضه بصورة أخرى وهو ما فعله بمقاطعته الحضور.

من جانب آخر، تعتبر هذه القمة الأكثر تعثرا والأكثر تكلفة في تاريخ القمم العربية، فقد رافقت انعقادها شكوك كثيرة منذ تأجل انعقادها في العام الماضي بسبب الوضع الأمني غير المستقر في العراق من جهة، والعلاقات الملتبسة لحكومة بغداد مع العديد من الدول العربية من جهة أخرى.

أما تكلفتها المالية فهائلة، فقد نقل "راديو سوا" تصريحاً لأحد أعضاء اللجنة المالية في البرلمان العراقي قبيل انعقادها بأيام، بأنه "أنفق أكثر من مليار وربع المليار دولار خلال عامي 2011 و2012 للاستعداد للقمة العربية التي ستنعقد نهاية الشهر الجاري في بغداد".

ومع أن البيانات الختامية التي صدرت عن مؤتمرات القمة العربية المنصرمة، متشابهة في صيغها وأسلوب إعدادها، إلا أن قمة بغداد فيها ما هو جديد. فقد كان للربيع العربي بعض الحضور، حيث ترك بعض التأثير على أجوائها وفرض نفسه في بيانها الختامي.

فقد تضمن إعلان بغداد الذي صدر في ختامها ما يؤيد ذلك، حيث أشارت الفقرة الخامسة منه إلى أن القمة "تتبنى رؤية شاملة للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يضمن صون كرامة المواطن العربي وتعزيز حقوقه". ورحبت القمة في الفقرة السادسة "بالتطورات والتغييرات السياسية التي جرت في المنطقة العربية وبالخطوات والتوجهات الديمقراطية الكبرى، وحيت الشعوب التي قادت تلك الخطوات".

نتوقف الآن عند مصطلح "النجاح" الذي أعلنت عنه الحكومة العراقية، لنتساءل عن فحواه أهو نجاحها في استضافة هذه القمة؟ أم نجاح المجتمعين في التوصل دون عناء إلى خطوط واضحة المعالم حول القضايا التي تهم العالم العربي، والتي تشغل المواطن أكثر من غيرها على المستويات السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، ومستوى الحقوق التي يتمتع بها، ومستوى إسهامه في الحياة السياسية والمجتمعية في بلده؟

ثمة أمور لا يمكن إغفالها أو التغافل عنها، في سياقات الحديث عن "النجاح" الذي أعلنت عن تحقيقه الحكومة العراقية بانعقاد القمة العربية في بغداد، وذلك لأن نجاح أية حكومة على مستوى علاقاتها الإقليمية والدولية، مرهون إلى حد كبير بمدى نجاح سياساتها في الداخل. والحقيقة أن في ذلك إشكالات كثيرة لا مجال للتطرق إلى تفاصيلها، إلا أنه لا مفر من طرح بعض التساؤلات حول ذلك.

فهل نجحت الحكومة في معالجة أوجاع العراق التي لا تحصى، بدءاً من الخلل في العملية السياسية المصابة بالشلل وانتهاء بالفساد المستشري في معظم شرايين النظام القائم؟ وهل استطاعت حل خلافاتها العميقة مع شركائها الرئيسيين في العملية السياسية؟ وهل ما صرفته من مبالغ خرافية استعدادا لهذه القمة، لا يتعارض مع حاجة العراق الماسة لرصد هذه المبالغ لإعادة البنية التحتية المهدمة في معظم مرافق الحياة الأساسية، خاصة في قطاعي التعليم والصحة؟ وهل ما فرضته من إجراءات تجاوزت فيها على حرية الناس طيلة أيام عديدة، ينسجم مع ما نصت عليه مواد الدستور؟

وهل القرار الذي اتخذته بتعطيل العمل في جميع دوائر الدولة وفي الجامعات والمدارس طيلة أسبوع كامل، ينسجم مع خطط البناء والتطوير والحاجة لزيادة ساعات العمل؟ وهل غياب قادة كبار من أركان العملية السياسية في العراق عن الحضور، من مؤشرات نجاحها؟ وهل غياب ما يقرب من ثلثي الرؤساء العرب ومن ضمنهم رؤساء الدول ذات الثقل الأكبر في العالم العربي، مؤشر آخر على هذا النجاح؟

لم تحظ هذه القمة باهتمام وتعاطف شعبي يذكر، بل حصدت عكس ذلك. فتحويل العاصمة إلى ثكنة عسكرية وما ترتب على ذلك من مضايقات وقيود على حرية الناس، كان موضع استياء شعبي لأنه ضاعف من متاعب الناس وهمومهم اليومية، وأثار غضبهم واستياءهم.

نُشر الكثير من المقالات عن هذه القمة، تناول محاور مختلفة ذات أهمية متباينة، إلا أن المحور "الاحتفالي" الذي طغت فيه العاطفة على ما سواها، والذي يرى في هذه القمة ما يشير إلى "عودة العراق إلى العرب" أو "عودة العرب إلى العراق"، قد حظي أكثر من غيره باهتمام الإعلام.

إلا أن من كتب عن ذلك وأفرط في تفاؤله، قد غاب عن باله أن العراق يعاني منذ سنوات طوال من أزمة خطيرة تتعلق بالهوية الوطنية لأبنائه. فما نشهده منذ سقوط النظام السابق من سلوكيات على مستوى الأفراد والجماعات، يعكس تراجعا خطيرا في مشاعر الانتماء الواسع للعراق، أمام تصاعد خطير في مشاعر الانتماء الضيق للعرق أو للطائفة.

والحقيقة أن ما يؤرق الحريصين على مستقبل العراق، ليس ضعف الانتماء للجذور والبعد عن الحضن العربي كما يظن البعض، وإنما الحفاظ على وحدة العراق المجتمعية، فذلك وحده الضامن لعراق قوي ولدور إيجابي يمكن أن يلعبه في العالم العربي.