منذ أسبوعين تقريبا، يعلو الصخب في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب مقال للكاتب المعروف بيتر بينارت نشرته صحيفة النيويورك تايمز. وبينارت اليهودي الأمريكي هو صاحب المقال الشهير الذي نشرته في عام 2010 مجلة تحظى باحترام واسع هي النيويورك ريفيو أوف بوكس انتقد فيه «المؤسسة اليهودية الأمريكية» واتهمها بالفشل.
وما قصده بينارت «بالمؤسسة» هو المنظمات اليهودية الكبرى المؤيدة لإسرائيل التي صارت تدعم بلا قيد أو شرط كل سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، حتى لو كانت تلك السياسات تتعارض مع ما أسماه الكاتب «بالأسس الديمقراطية لدولة إسرائيل» بل وتسعى لإسكات أي صوت ينتقد تلك السياسات خصوصا داخل الجماعة اليهودية الأمريكية.
لكن لعل أهم ما قاله وقتها بينارت اليهودي الأورثوذكسي هو أن تلك المنظمات بسلوكها هذا قد أدت إلى انفصال الشباب اليهودي في أمريكا وجدانيا وسياسيا عن إسرائيل.
ففي حين كانت تلك المنظمات تطالب من يؤمن بالصهيونية ويدافع عن إسرائيل بأن «يترك ليبراليته على الباب»، إذا بشباب اليهود الأمريكيين «يصرون على ليبراليتهم ويتركون الصهيونية على الباب». فهم اليوم أقل اهتماما بقضية إسرائيل وأكثر استعدادا لانتقادها وعدم الارتباط بها وجدانيا.
وقتها قامت الدنيا ولم تقعد. فبينما أثبت بينارت بالأرقام الهوة التي صارت تفصل بين الشباب اليهودي في أمريكا تحديدا وبين إسرائيل، أنكرت الكثير من تلك المنظمات أن هناك هوة من أساسه واتهمت بينارت بأنه يعزل سلوك إسرائيل عن سياقه الذي يوضح أنها ضحية «التعنت الفلسطيني» الذي رفض كل محاولات التسوية، على حد تعبير إبراهام فوكسمان، رئيس اللجنة اليهودية الأمريكية وقتها!
وما كان مثيرا للضجة وقتها لم يكن في الحقيقة الانتقادات التي وجهها بينارت للمنظمات اليهودية الأمريكية ولإسرائيل، حيث إنها ليست جديدة بالمرة. فالضجة كان مصدرها أن كاتب المقال هو بيتر بينارت، اليهودي الأورثوذكسي المؤمن بالمشروع الصهيوني والذي كان يعمل حتى وقت قريب رئيسا لتحرير «النيو ريبابليك» وهي واحدة من أكثر المجلات الأمريكية دعما لإسرائيل. فالوجع الذي أصاب إسرائيل وأنصارها كان أن الكاتب صهيوني من أشد مؤيدي إسرائيل.
لكن ما إن بدأت العاصفة تتوارى بعض الشيء حتى عاد بينارت إلى الأضواء من جديد عبر كتابة مقال نشر في صحيفة النيويورك تايمز دعا فيه هذه المرة إلى مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة من أجل الضغط على إسرائيل لتنهي احتلالها للضفة الغربية.
وقد انتقد سياسات الاستيطان التي تتبعها حكومة نتنياهو واعتبر أنها تؤدي لنشأة «كيان واحد بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط مشكوك في شرعيته وديمقراطيته لأن ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية محرومون من الجنسية ومن الحق في التصويت في دولة تتحكم في مقدراتهم».
وفرق بينارت بين ما أسماه «إسرائيل الديمقراطية» ويقصد بها دولة إسرائيل و«إسرائيل غير الديمقراطية» ويقصد بها الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي. ودعا لاستخدام تلك المسميات «من أجل مكافحة جهود القادة الإسرائيليين لاستخدام شرعية إسرائيل الديمقراطية لإضفاء شرعية على الاحتلال وجهود أعداء إسرائيل الذين يريدون استخدام عدم شرعية الاحتلال لنزع الشرعية عن إسرائيل».
وكما هو واضح، فإن بينارت ليس معاديا لإسرائيل على الإطلاق. على العكس تماما، فهو مؤمن بالمشروع الصهيوني ولكنه يخشى على إسرائيل من نفسها. فالعنوان الموحي للمقال «قاطعوا المستوطنات، لإنقاذ إسرائيل» يكشف بوضوح عن موقف الرجل. فهو لا يقاطع المستوطنات للدفاع عن حقوق الفلسطينيين وإنما من أجل إنقاذ إسرائيل.
فسياسات الاستيطان تؤدي لمنع أية فرصة لقيام دولة فلسطينية الأمر الذي سيعني حل الدولة الواحدة، والذي هو في جوهره يمثل نهاية للمشروع الصهيوني.
وهذا بالضبط ما يخشاه بينارت. فهو في نهاية مقاله يشير لهذا المعنى بقوله «إذا جعلت إسرائيل الاحتلال دائما وتوقفت الصهيونية عن أن تكون مشروعا ديمقراطيا، فإن أعداء إسرائيل سيطيحون بالمشروع الصهيوني ذاته.
ونحن أقرب لذلك اليوم مما يريد الكثير من اليهود الأمريكيين أن يصدقوا». وبينارت معاد بشدة «للحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل» ويسعى لإجهاضها عبر حركة «صهيونية» لمقاطعة المستوطنات وحدها.
وما إن نشر المقال، حتى قامت الدنيا ولم تقعد من جديد. فصدرت البيانات المنددة بالكاتب وكتبت المقالات في أمريكا وإسرائيل التي تتهمه بالعداء لإسرائيل. والحجج التي قيلت ضد ما كتبه بينارت بعضها واهية مثل القول بأن مقاطعة المستوطنات لن يحل المشكل لأنها ستزيد تعاطف الإسرائيليين تجاه المستوطنين وتعنتهم تجاه تقديم أي تنازلات، وبعضها الآخر صار مبتذلا من كثرة تكراره كالدفاع عن إسرائيل ضد أي اتهام يوجه لها عبر الزعم بأن المستوطنات ليست هي العقبة في وجه حل الصراع وإنما العقبة هي الفلسطينيين الذين يرفضون كل العروض التي تقدمها إسرائيل للحل.
ورغم أن الحملة ضد بينارت تظل معركة بين أنصار إسرائيل، إلا أن مقال النيويورك تايمز يظل ذا دلالة مهمة لأنه أحد تجليات التغير الفعلي في الساحة السياسية الأمريكية. فرغم أن النيويورك تايمز تعلم يقينا الهجوم الشرس الذي ستتعرض له والذي قد يصل لحملات لإلغاء الاشتراكات ومقاطعة الجريدة، فإنها أقدمت على نشر المقال، وهو ما كان أمرا صعب الحدوث فيما مضى.
لكن الأهم من ذلك هو مقال بينارت حين نشر في النيويورك تايمز تحديدا نقل، كمقالات قبله، إلى قلب الساحة السياسية الأمريكية، بعض المعاني بالغة الأهمية.
فالمقال فيه اعتراف ضمني بأن الاستيطان وليس الفلسطينيين هو العقبة الرئيسية.
وما جاء فيه عن الضفة الغربية ينسف من الأساس أسطورة «إسرائيل، واحة الديمقراطية في محيطها». فالأفكار التي كانت محرمة صارت اليوم متداولة في قلب الساحة السياسية.