أحدثت العولمة تبدلات جذرية في بنية التعليم في مختلف مراحله. ويحتل مؤشر تطور التعليم العالي مكانة متميزة بين أنظمة القياس التي تعتمدها منظمة الأونيسكو ومؤسسات ثقافية عالمية لقياس نسب التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، وتحديد مراتب الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية على المستوى العالمي. للتعليم الأكاديمي في عصر العولمة وسائله التطبيقية العصرية لكي يساهم بفاعلية في التنمية الاقتصادية المستدامة. وتتحدد به السمات الأساسية للنظام الأكاديمي في البلد، وما يتمتع العاملون فيه من كفاءة علمية عالية، وممارسة أكاديمية سليمة.

 ويتضمن أيضاً المكتسبات المادية للعاملين في المجال الأكاديمي من حيث ارتفاع رواتب الباحثين، وتمويل الأبحاث، وتنشيط المراكز العلمية، وسهولة الحصول على المنح الأكاديمية والبحثية للطلاب، ومشاركة الباحثين الأكاديميين في سوق العمل والتنمية الاقتصادية، والبعثات الطلابية إلى الخارج، والمشاركة في الندوات العلمية المتخصصة، ونشر الأبحاث العلمية بصورة منتظمة، وإقامة الندوات العلمية بمشاركة الباحثين والطلاب، وتطوير طرق التدريس، ومناهج الدراسة، وأشكال الاختبارات العلمية في الامتحانات، واستخدام التكنولوجيا المتطورة في الأبحاث العلمية، وإنشاء الفرق البحثية الجامعية المرتبطة بفرق مشابهة لها في الجامعات المحلية والعالمية، وإمكانية التواصل التقني مع مراكز الأبحاث العالمية، وتغذية المكتبات الأكاديمية بكل جديد في مجال الأبحاث العلمية، وتأمين الرحلات العلمية للطلاب، وكثير غيرها.

لكن غالبية هذه السمات تكاد تكون مغيبة بالكامل عن التعليم الأكاديمي في الدول العربية، وبشكل خاص في الجامعات الحكومية لدى الدول الفقيرة. وقد واجهت منذ نشأتها حتى الآن معضلات كبيرة لم تستطع التغلب عليها، وفشلت في تطبيق برامج الإصلاح الشمولي للنظام التعليمي على كافة مستوياته. لذلك غابت الجامعات العربية، رغم أعدادها الكبيرة جدا، عن المراكز الخمسمائة الأولى في العالم، نظرا لضعف النظام الأكاديمي العربي وغياب الحريات الأكاديمية الضرورية لتطويره.

ولم يستفد القيمون عليه من تجارب التعليم الأكاديمية الناجحة في كثير من دول العالم الغربية منها والشرقية على حد سواء.

وقدمت بعض المقترحات العملية التي لم تتم الاستفادة منها في إصلاح نظم التعليم الأكاديمية في الجامعات العربية. المطلوب إذاً سياسات عقلانية تقوم على مبدأ أساسي يرى أن التوظيف في الإنسان، أستاذا وباحثا وطالبا وإداريا، مدخل أساسي لتطوير التعليم الأكاديمي على امتداد الوطن العربي.

فالإنسان الحر الواعي هو مادة التنمية وغايتها. والتنمية البشرية المستدامة هي أعلى مراتب التنمية. وذلك يتطلب إنجاز برنامج متكامل للإصلاح الأكاديمي الطويل الأمد يتضمن مقولات عقلانية لقيام الإصلاح على أسس سليمة أبرز بنوده:

1- اعتبار البحث العلمي ركيزة أساسية للتنمية الأكاديمية المستدامة، لأن تغييب البحث العلمي يعتبر معوقا أساسيا يمنع قيام التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

2- إطلاق حرية الباحثين الأكاديميين في مجال إعداد البرامج، والمناهج، وطرائق التدريس، وكيفية إجراء الاختبارات. فضرب الحريات الأكاديمية أو تعطيلها يؤدي إلى خسارة كفاءات علمية لا تجد بيئة حاضنة لها. وغياب الحريات الأكاديمية يفقر الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية ويغني جامعات ومراكز أبحاث في بلدان هاجروا إليها واستقروا فيها.

3- اعتماد موازنة كافية ومتصاعدة للبحث العلمي، لأن غياب التمويل أو عدم استمراريته يعطل دور الأساتذة والطلاب معا، ويقود إلى شلل تام في المجال الأكاديمي.

4- الاهتمام الدائم بالبنى التحتية العلمية من حيث البناء، والتجهيزات، والمكتبات، ووسائل الراحة لضمان عمل الباحثين على أسس عصرية سليمة. علما أن غالبية مراكز الأبحاث العربية معطلة وتنقصها البنى الضرورية لإعداد البحث العلمي ونشره. وحرية الباحث واستقلالية مراكز البحث العلمي شرطان أساسيان لتنفيذ البرامج العلمية وفق الأصول الأكاديمية المعتمدة في الجامعات المتطورة.

5- إقامة شراكة حقيقية بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العربية. لكن استمرار نزيف الأدمغة العربية من الأجيال الشابة إلى خارج الوطن العربي يقطع الطريق على أي نهضة عربية جديدة.

6- إعداد برامج عصرية متطورة والاستفادة القصوى من الكفاءات العلمية والبحثية المتواجدة الآن في الجامعات ومؤسسات التعليم العالي العربية. وإطلاق خطة وطنية شمولية لتطوير البحث العلمي العربي على مختلف الصعد، وتخصيص موازنة مستقلة للبحث العلمي على مستوى المؤسسات الأكاديمية والثقافية العربية.

إن رؤية شمولية للنظام التعليمي في الوطن العربي تظهر أن التعليم الأكاديمي على تراجع مستمر، نظرا لتدني المستوى في مراحل التعليم الأساسي والثانوي. وما زالت مشاركة الباحثين الأكاديميين في التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة محدودة للغاية. فالحريات الأكاديمية مصادرة في غالبية الجامعات العربية، والتفاعل بين التعليم الأكاديمي والتكنولوجيا المتطورة محدود جدا ويقتصر على نخب ضيقة تتلقى تعليمها في بعض الجامعات الأجنبية الخاصة وذات الحضور التاريخي في المنطقة العربية، خاصة الأميركية منها في بيروت والقاهرة.

بات انفتاح الأكاديميين العرب على النظريات العلمية الحديثة بهدف تنمية طاقاتهم البشرية أكثر صعوبة بعد وصول قوى إسلامية متشددة إلى سدة الحكم. ويواجه التعليم الأكاديمي المتعاون مع سوق العمل لإنتاج تنمية اقتصادية حقيقية عقبات كثيرة تمنعع من المشاركة الفاعلة في تطوير مجتمع المعرفة في الوطن العربي.

ومن المتوقع بروز صراع حاد بين القوى الشبابية في الانتفاضات العربية التي ترفع شعار «الثورة مستمرة حتى تحقيق أهدافها»، والقوى السلفية التي تتمسك بالثقافة السائدة وتدعو إلى تكرار ثقافة السلف الصالح.

فالتنمية المستدامة بأفق مستقبلي هي المدخل الأساسي لدخول العرب إلى نادي المتطورة علميا وتكنولوجيا. فهناك مخاطر كبيرة من استخدام المعلومات عبر الإنترنت دون تحصين الطلبة الجامعيين بثقافة نقدية، ومناهج علمية عصرية تساعد على الإبداع والابتكار وعدم السقوط في دائرة التغريب الثقافي.

فالمعلومات غير المثبتة علميا تدخل الذاكرة العربية لتصبح عاملا سلبيا لأن ما تنشره بعض المراكز العربية عبر الإنترنت وأدوات التواصل الأخرى غالبا ما تفتقر إلى الإسناد العلمي السليم.

ختاما، إن استخدام الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات في ظل التراجع الأكاديمي العربي يساهم في نشر العلوم العصرية، والمعرفة الأمبيريقية.

وقد يساعد على تخطي الوسائل التقليدية التي ما زالت تستخدم في المؤسسات التعليمية والأكاديمية العربية عبر محاضرات جامعية مطبوعة غالبا ما تتضمن معلومات سطحية تجاوزها الزمن. لكن ثقافة الإنترنت تساعد على نشر المعرفة داخل المجتمعات العربية التي تعاني الآن من ثقافة التلقين والجمود الأكاديمي، وتحديات ثقافة «القرية الكونية» في عصر العولمة.

وتعاني تلك المجتمعات من فجوة معرفية ومعلوماتية لأن السلطة السياسية تحاصر شعوبها تحت ستار الحفاظ على التراث والأصالة. فتمنع عنهم العلوم العصرية، وتجعلهم أسرى تكنولوجيا متطورة باستمرار، لم يشاركوا في صناعتها، ولم يتعلموا مبادئها الأساسية على مقاعد الجامعات وفي مراكز الأبحاث العلمية المتطورة.