إذا قررت المحكمة الأميركية العليا أن إلزام ما يسمى بـ«الولاية الفردية» للجميع بشراء تأمين صحي يشكل امتداداً غير دستوري للسلطة الاتحادية، فإن القانون سيبدأ بالانهيار. ولكن مع قليل من المصارعة اليابانية السياسية، يمكن للرئيس الأميركي باراك أوباما أن يحول تلك الهزيمة إلى انتصار لنظام رعاية صحية يشمل قائماً واحداً بالدفع، وهو نظام «ميديكير» للجميع. وإليكم الطريقة.
إن المعضلة الكامنة في صلب القانون الجديد هي أنه لا يزال يعتمد على شركات التأمين الصحي الخاصة، والتي تحتاج إلى تحقيق الربح أو دفع جميع تكاليفها على الأقل، بما في ذلك تكاليف التسويق والإعلان. ومع ذلك فإن الطريقة الوحيدة التي تمكن شركات التأمين الخاصة من تغطية جميع الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية سابقة، كما يتطلب القانون الجديد، هي دفع جميع الأميركيين إلى شراء تأمين صحي، بمن فيهم الشباب والأشخاص الأكثر صحة، الذين لا يرجح لهم أن يراكموا كماً كبيراً من تكاليف الرعاية الصحية. وتعد هذه المعضلة نتاج تسوية سياسية.
إذ لم تفلح الإدارة الأميركية في الحصول على أصوات لصالح نظام يشمل قائماً واحداً بالدفع مثل «ميديكير» للجميع. ولن يوافق أي جمهوري على مشروع قانون يعطي الأميركيين خيار شراء تأمين صحي. ولكن لا تتوقعوا من المحكمة العليا أن تعالج هذه المعضلة. فهي مدفونة تحت سيل من نظريات المعرفة الدستورية.
ويقول أولئك الذين يدافعون عن القانون في المحكمة إن الحكومة الاتحادية تتمتع بالسلطة اللازمة لإجبار الأميركيين على شراء تأمين صحي تحت بند التجارة الوارد في الدستور، الذي يعطي واشنطن سلطة تنظيم التجارة بين الولايات.
وهم يجادلون بأن نظام التأمين الصحي الأميركي مترامي الأطراف يمتد بلا شك إلى ما وراء كل ولاية مفردة. أما أولئك الذين يعارضون القانون فيقولون إن اشتراط تعاقد الأفراد مع شركات التأمين الخاصة لا يندرج ضمن تنظيم التجارة بين الولايات. ولكنه إكراه للأفراد.
ولسوء حظ أوباما والديمقراطيين، فإن معظم الأميركيين لا يحبون، فيما يبدو، قانون الولاية الفردية إلى حد كبير على أي حال. ويرى كثيرون في اليمين السياسي أنه يشكل تهديداً للحرية الفردية. فيما يعترض العديد من اليساريين على إلزامهم بشراء شيء من إحدى شركات القطاع الخاص.
وكان يمكن للرئيس أوباما وللديمقراطيين أن يتجنبوا هذه المعضلة في المقام الأول لو أصروا على نظام «ميديكير» للجميع، أو على خيار عام على الأقل. وفي نهاية المطاف، فإن برنامجي «الضمان الاجتماعي» و«ميديكير» يلزمان كل عامل أميركي بـ«شرائهما». وتحصل عملية الشراء بشكل تلقائي في هيئة خصم من راتب كل عامل.
ولكن لأن «الضمان الاجتماعي» و«ميديكير» هما برنامجان حكوميان يتم تمويلهما بالضرائب المفروضة على المرتبات، فإنهما لا يبدوان كعمليتي شراء إلزاميتين. ولا يمانع الأميركيون أن تكون «الولايات الفردية» في شكل ضرائب مفروضة على الرواتب من أجل «الضمان الاجتماعي» أو «ميديكير».
وفي الواقع، فإن كلا البرنامجين يحظى بشعبية واسعة إلى درجة أن بعض الجمهوريين المحافظين سمعوا وهم يصرخون قائلين: «لا تسلبوني برنامج (ميديكير) الخاص بي!» في مسيرات مناهضة لقانون الرعاية الصحية الجديد.
وليس هناك شك في أن الضرائب المفروضة على الرواتب تعد دستورية، وذلك لأن الحكومة الاتحادية يحق لها بلا شك أن تفرض الضرائب على الناس لغرض تمويل منافع عامة معينة.
إلا أن إلزام المواطنين بشراء شيء ما من إحدى شركات القطاع الخاص هو أمر مختلف، لأن الشركات الخاصة ليست مسؤولة بشكل مباشر أمام الجمهور. وإنما هي مسؤولة أمام أصحابها، وهدفها هو تعظيم الأرباح. وماذا لو احتكرت تلك الشركات السوق وفرضت أقساطاً هائلة؟ ويبدو أن بعضها يقوم بذلك بالفعل.
وحتى لو تم تنظيمها على أنها لا تهدف إلى الربح، فلا تزال هناك مشكلة المساءلة العامة. فما الذي يمنع كبار المسؤولين التنفيذيين من تقاضي ثروات صغيرة؟ ويبدو أن ذلك يحصل بالفعل.
وعلاوة على ذلك، فإن برنامج «ميديكير»، بالمقارنة مع التأمين الخاص، يشكل صفقة رائعة، إذ إن تكاليفه الإدارية لا تتجاوز 3%، في حين أن التكاليف الإدارية لشركات التأمين الخاصة تلتهم ما يتراوح بين 30% و40% من أقساط التأمين.
وتقل تكاليف الرعاية الصحية كذلك عن التكاليف الإدارية التي تتحملها الشركات الكبرى ذاتية التأمين، والتي تتراوح بين 5% و10%، وعن تكاليف الخطط الخاصة المتاحة تحت برنامج «ميديكير أدفانتج»، وهو خيار التأمين الخاص المتاح حالياً تحت «ميديكير». فلم لا نتبنى نظام «ميديكير» للجميع؟ لأن الجمهوريين باتوا يتقنون فن المصارعة اليابانية السياسية.
وتمثلت استراتيجيتهم في تشويه صورة الحكومة، والسعي إلى خصخصة كل ما يمكن أن يكون برنامجاً عاماً ممولاً بدولارات الضرائب (ألقوا نظرة على خطة بول رايان لتحويل «ميديكير» إلى قسائم). ومن ثم يذهبون إلى المحكمة، ويجادلون بأن أي عملية شراء إلزامية هي عملية غير دستورية لأنها تتجاوز سلطة الحكومة.
ويتعين على أوباما والديمقراطيين أن يفعلوا العكس. وفي حال قامت المحكمة الأميركية العليا بإلغاء قانون «الولاية الفردية» في القانون الصحي الجديد، فإن شركات التأمين الخاصة ستحتشد في «كابيتول هيل»، مطالبة بتعديل القانون لإزالة البند الذي يلزمها بتغطية الأشخاص الذين يعانون من مشكلات صحية موجودة من قبل.
وعندما يحدث ذلك، يتعين على أوباما والديمقراطيين أن يقولوا إنهم مستعدون لإزالة هذا البند، ولكن فقط في حال أصبح برنامج «ميديكير» متاحاً للجميع، وبتمويل من الضرائب المفروضة على الرواتب. وإذا قاموا بذلك، فإن الشعب الأميركي سيدعمهم، والمحكمة العليا كذلك.