استفزني خبر التعويضات المالية التي دفعتها السلطات الأميركية لعائلات الضحايا الذين سقطوا برصاص جندي أميركي أطلق النار بشكل عشوائي على قرويين أفغان، أكثر مما استفزني الحادث نفسه، رغم مأساوية ما أقدم عليه الجندي الأميركي وعبثيته، ومجافاته لكل القيم الإنسانية.
وفق الرواية التي أكدها وزير الدفاع الأميركي "ليون بانيتا"، فإن الجندي الذي ينتمي إلى القوة الدولية للمساهمة في إرساء الأمن في أفغانستان (إيساف) التابعة للحلف الأطلسي، غادر قاعدته في إقليم "بنجوي" في ولاية "قندهار"، فجر الأحد 11 مارس الماضي حاملا سلاحه، وتوجه إلى منازل تقع في قرى مجاورة.
حيث قام بإطلاق النار على سكان ثلاثة منها, فقتل 16 شخصا قام بحرق جثثهم، حسب مصادر أفغانية وغربية، وأصاب 6 بجروح، ثم عاد إلى قاعدته ليروي ما فعل. وقد تم نقل الجندي في وقت لاحق إلى خارج أفغانستان، رغم مطالبة البرلمان الأفغاني بمحاكمة علنية له.
الحادث في حد ذاته مؤلم ومستفز، لأنه أودى بحياة أناس أبرياء بينهم نساء وأطفال، لكنّ الأكثر إيلاما واستفزازا من الحادث نفسه، هو مقدار التعويضات المالية التي دفعتها السلطات الأميركية لعائلات الضحايا والمصابين، فقد حصلت عائلات القتلى، وفق ما أوردته وكالات الأنباء، على نحو 50 ألف دولار عن كل قتيل، بينما حصل كل مصاب من المصابين الستة على 10 آلاف دولار، تعويضا عن إصابتهم!
مبالغ زهيدة بكل المقاييس، إذا قورنت بالتعويضات التي دفعتها ليبيا، على سبيل المثال، لضحايا تفجير طائرة "بان أميريكان" فوق قرية "لوكيربي" الاسكتلندية عام 1988، وهو الحادث الذي أدى إلى مقتل 259 شخصا، هم ركاب الطائرة وطاقمها، بالإضافة إلى 11 شخصا من سكان البلدة التي وقع عليها الحطام.
فقد دفعت ليبيا، التي حمّلتها الولايات المتحدة مسؤولية التفجير، مبالغ وصلت إلى 10 ملايين دولار لكل أسرة من أسر الضحايا، وذلك بعد جولات من المفاوضات استغرقت سنوات، فرضت الأمم المتحدة خلالها عقوبات دولية على ليبيا، قبل أن تحال القضية إلى محكمة هولندية حكمت على الليبي عبد الباسط المقرحي بالسجن المؤبد، بعد إدانته بالتورط في تفجير الطائرة، وقد بلغ مجموع ما دفعته "ليبيا القذافي" وقتها لضحايا "لوكيربي" 2.7 مليار دولار، كي تُرفع عنها العقوبات.
فرنسا التي اتهمت ليبيا أيضا بتفجير طائرة الركاب الفرنسية "يوتا" فوق النيجر عام 1989، وجدتها فرصة للضغط على ليبيا كي ترفع من سقف التعويضات التي طالبت بها لضحايا تفجير الطائرة. وقد نجحت في رفعها إلى 170 مليون دولار، تقاسمتها أسر 170 ضحية من 17 جنسية مختلفة، في الوقت الذي حكم فيه القضاء الأميركي على ليبيا بدفع أكثر من 6 مليارات دولار، تعويضا لعائلات سبعة أميركيين قتلوا في تفجير الطائرة.
وإن كانت ليبيا قد رفضت هذا الحكم. وعلى المنوال نفسه اضطرت ليبيا لدفع تعويضات إلى 160 جريحا من غير الأميركيين وامرأة تركية قتلت، في تفجير ملهى "لابيل" الذي كان يرتاده جنود أميركيون عام 1986 في ما كان يعرف حينذاك باسم "برلين الغربية".
واتهمتها السلطات الألمانية بالتورط فيه. وقد بلغت تعويضات غير الأميركيين 35 مليون دولار، أما تعويض الضحايا الأميركيين فقالت مجلة "ديرشبيغل" الألمانية حينها، إنه سوف يكون أكثر صعوبة، وذكرت أنه تم رفع دعوى في الولايات المتحدة، تطالب بدفع 3 مليارات من الدولارات لأسر أميركيين اثنين قُتِلا في ذلك التفجير، بالإضافة إلى أربعين جريحا!
بحسبة بسيطة، يتضح أن مجموع ما دفعته الولايات المتحدة لضحايا الجندي الأميركي الذي قام من نومه مختل المزاج، فأمسك بندقيته الآلية وتوجه إلى منازل السكان الأفغان الآمنين ليفرغ طلقاتها وطاقته السلبية فيهم، لا يتعدى 860 ألف دولار تم توزيعها على عائلات 16 قتيلا و6 جرحى، بينما دفعت ليبيا لعائلة كل ضحية من ضحايا "لوكيربي" 10 ملايين دولار، أي أكثر من عشرة أضعاف ما استلمه ضحايا الجندي الأميركي من قتلى وجرحى مجتمعين!
هذا التفاوت في سعر البشر لا يستفزنا فقط، وإنما يدفعنا إلى التساؤل عن المعيار الذي يسعِّر الغرب على أساسه الإنسان ويحدد قيمته. نحن لا ننكر أن ضحايا "لوكيربي" و"يوتا" و"لابيل" بشر، وأنهم أبرياء لا ذنب لهم في ما تعرضوا له، ولكن أليس ضحايا الجندي الأميركي مختل المزاج بشر أيضا؟ الفارق الوحيد بينهم وبين أولئك الذين استلمت عائلاتهم ملايين الدولارات، أنهم لم يكونوا من ركاب الطائرات الأميركية والفرنسية، ولا من رواد الملاهي الألمانية.
أيُّ عدالة هذه التي تفرِّق بين إنسان وإنسان، فتسعِّر هذا بالملايين، وتسعِّر ذاك بالملاليم؟!
أي منطق هذا الذي يفرِّق بين دم ودم، فيعتبر سفك هذا جريمة كبرى، ويعتبر سفك ذاك نزوة طارئة؟!
كيف تعطي القوى العظمى نفسها حق الكيل بمكيالين، وتحرِّم على غيرها هذا الحق، إن كان هذا حقا؟ّ!
كيف تبيح هذه القوى لنفسها أن تغزو بلدانا، تحتلها وتغير أنظمتها بحجة محاربة الإرهاب، بينما يمارس جنودها الإرهاب، ويقتلون الأبرياء من الأطفال والنساء، ثم يعودون إلى ثكناتهم ليرووا لزملائهم ما اقترفته أيديهم بدم بارد وأعصاب هادئة؟!
كيف تسمح هذه القوى لنفسها بمطاردة الذين تدّعي أنهم يهددون أمنها وتجلبهم من بلدانهم، تجهز لهم السجون وتستأجر معسكرات الاعتقال، ولا تسمح بأن يحاكم جندي ارتكب مجزرة على أرض الدولة التي ارتكب فيها مجزرته، وأزهق أرواح مواطنيها الآمنين في مساكنهم؟!
إنه منطق القوة, هذا الذي يفرضه الأقوياء فيجعل لدمائهم ثمنا باهظا، ويجعل لدماء الضعفاء ثمنا بخسا لا يعدل ثمن السلاح الذي يريقها. وهو منطق ينسجم مع طبيعة السوق التي يبيعون ويشترون فيها، لا مع ما يقتضيه منطق العدل الذي يتشدقون به, ويملؤون الدنيا ضجيجا إذا مس غيرُهم شعرةً منه.